جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2024.

جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2024.

حين تعيش بين عالمين

يُدخلك المكوث في المدينة صراعات داخلية لا تنتهي إلا بتطوير مزيج من الشيئين مع عاطفة أقوى في تفهم الجميع واتخاذ قرارات مرنة لا تتأثر بصفعات أهل القرية أو نظرات أهل المدينة.

وقت القراءة المتوقع: 5 دقائق
[gpd]

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً

للاستماع للمقالة

بصوت:

محمد خوجلي

00:00 / 00:00

أقدس سيارتي كثيرًا، فهي تأخذني بين عالمين مختلفين، عالمين متوازيين كل أسبوع، أن تعيش في الريف وتولد في أراضٍ خضراء وسط عائلة كبيرة ثم تنتقل لعالم المدينة حيث الزحام والجسور وإشارات المرور والأسئلة الكبيرة في الحياة. إنها معضلة كبيرة أن تنسلخ من جسدك ثم تعود لتلبسه مرةً أخرى كل أسبوع.

وقتٌ قصير لا تستطيع فيه الهرب من نفسك أو العودة إليها، مُشتت، تبحث عنها بين عالمين. تفاجئك أحيانًا بظهورها في عالمين أيضًا، مثلاً أن تكون في البيت الذي ولدت فيه وتبدو روحك متمدنة كثيرًا يمنحك الكثير من الأسئلة ويمنح الآخرين كثير من الاعتقادات بشأنك، إنه لأمرٌ جلل أن توضح نفسك في كل حين، وتنسى كيف فهمت ذاك الشخص وما آخر استنتاجاتك لطريقة التعاطي مع معتقداته، وفي كل مرة تلتقي فيها بِوعيٍ قديم في شخص آخر تود لو تغير كل شيء، ولكن سُرعان ما يخيب ظنك، حيث تتذكر أن مَن بقي في الريف، ربما يُحب كيف يفكر، وكيف يعيش، ويرتاح لذلك الثبات في الأشياء والمعتقدات، تشعر أحيانًا بالغِبطة حيث لا تقض الطموحات الكبيرة في الحياة مهجع أهل الريف لأن البساطة هي نمط الحياة، والزهد أسلوبها في مراتٍ كثيرة. 

أما ظهور روحك الأولى في المدينة قد يثير علامات التعجب لدى الآخرين فيعتقدون أن غضبك أحيانًا عائد لعِرقك الذي لا يطيق الصبر وأحيانًا يفهمون هدوءك ضعفًا، أنت غير قابل للتوقع في المدينة فمليون موقف وكلمة قد يحتاجا لمليوني تبرير بمليار من الكلمات التي لا تنتمي للهجة واحدة وقد تترجم للغة أو لغتين أو أكثر. مع ذلك يتسنى لك أن تكون أنت، وقتك، وطعامك ومساءاتك تحكمها الأنا والرغبة، كما أن قول كلمة «لا» يتطور بتطور مجابهتك لأهل المدينة، ربما يثير الكرم، والمروءة رغبتك في تجنب صد طلبات من حولك، ومع ذلك تتعلم في نهاية الأمر أنهم سيحترمونك مع اللاءات أكثر. 

تناقض مدهش يتطلب منك أن تطوّر نسخة جديدة منك تجابه فيها فريقين متناقضين فالـ «لاء» في المدينة تحفظ لك احترامك في أحيان كثيرة بينما الـ «نعم» في القرية ترفعك لقمة الهرم، وهكذا كلما اعتدت على مكان ما صعب التعايش في مكانين بشكل كلي لتتخلى بمرور الزمن بالأكثر عن طرف واحد أكثر من الآخر، فأن تكون هُنا وهناك، يتطلب منك هذا صراعات داخلية لا تنتهي إلا بتطوير مزيج من الشيئين مع عاطفة أقوى في تفهم الجميع واتخاذ قرارات مرنة لا تتأثر بصفعات أهل القرية أو نظرات أهل المدينة. 

في الشارع أنت في هدنة سلام مع نفسك، تسمع الموسيقى التي تحب فلا يهم ما الذي يعتقده أهلُ الريف أو المدينة بشأن «عبد الحليم حافظ» أو «أصالة نصري» أو حتى «عمرو دياب»، ولا يهم إن كنت تسمع (Dance Monkey). في الطريق أفكارك ملكك والعالم ملكك أنت، ومهما ظننت أن الأشجار المحاذية للطريق ترقص لك لا أحد سيقول لك عكس ذلك وإن قلت أن الغيوم تجري خلفك مثل موكب فلن يطردك أهل الريف من ست قرى ولن يفتح أهل المدينة قضيةً ضدك، حتى أن القمر والشمس تتبعانك.

 

الطريق من وإلى المدينة والريف، قضية سلام وفرض إيقاف إطلاق للنار، لماذا؟

لأنك تسيطر على أفكارك وحدك، وتشعر أن احساسك اتجاه الأشياء حقيقي وموجود ويستحق أن تُلقي له بالًا، وأنك إن شعرت بالألم والغربة فذلك لأنك في الطريق فحسب ولديك بيت تعود له، ولديك سرير تستلقي فيه فكُل الأشياء البعيدة جميلة ومحببة وقابلة للاحتمال والتحمل، لأنك في الطريق من وإلى البيت هدفك قصير وواحد إما البيت وإما السكن، وأهدافك السامية هي ذاتك وإن كانت ضائعة فأنت تحملها معك، وربما أهم أشياءك في صندوق السيارة.

في الطريق روحك ملكٌ لك وحدك وفي المدينة تتوزع بين أصحاب المال والجاه والحاسدين والأصدقاء وأشباه الأصدقاء والزملاء والمنافسين وجيرانك الأجانب وبوَّاب البناء، أما في الريف فروحك وذاتك وطاقتك موزعة على قرية وسبع قرى مجاورة فأنت هناك تحمل الجميع على رأسك والبعض في قلبك.

ما أروع السيارة وما أروع الطريق، أنت مع نفسك والمدينة في المدينة والريف في الريف. 

 
10
1

اختيارات المحررين

اشتراك
تنبيه
guest
3 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

عن العلاقات
العالم الذي نعيشه الآن عالمٌ ساخر، يُعلّي من قيمة السخرية والنقد على الإعجاب النقي، فنميل لإخفاء إعجابنا خوفًا من الظهور الساذج، الذي سيجعلنا فريسة لسخرية الآخرين.

وقت القراءة المتوقع: 10 دقائق
عن التطوير الذاتي
إن ما يحصل اليوم معي ومع كثيرين غيري من الموهوبين أو أصحاب المهارات هو القلق الدائم من أن نكون عاديين، ..

وقت القراءة المتوقع: 10 دقائق
عن الكُتب
ورثتُ التماسك والتعاضد من عائلتي، حتّى في أحلك خيالاتي وقلقي، يظلّون صامدين في الخلف، ينتظرون عودتي أو إنجاز أي أمرّ أقوم به ليحفلوا بصخب، وهذا ما تبرعُ فيه العائلة.

وقت القراءة المتوقع: 9 دقائق

أحداث قد تناسبك

تُغذي الصمت

مَشفى

صيام عن الكلام لمدة ثلاث أيام . عقلك الذي لايهدأ ، نعدك أن يصمت تمامًا .

قراءة المزيد
تُغذي العقل والحالة الإجتماعية

يوم الفيلة

في ليلة مُتكاملة تمتد لثلاث ساعات ، نقدم للمجتمع من خلاله أعمالنا الإبداعية الكاملة ، نستضيف ضيوف مُلهمين لنقيم ليلة ثقافية – ابداعية لاتنسى في بيئة تنتمي لها وتنتمي لك.

قراءة المزيد

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً