هي: القدر تلك اللفافة الغامضة التي نلمسها في صدفة اللقاء وألم الفراق، في النجاح والفشل. أهي طريقة الكون في تذكيرنا بأننا لا نملك مطلق السيطرة على حياتنا؟
هو: إنما طريقة الكون في تذكيرنا بأننا نملك القوة للتكيف مع أقدارنا والنمو من خلالها.
هي: الأمر سهل جدًا لو كانت الأقدار حلوة وانسيابية، وماذا لو لم تكن كذلك؟ كيف نبتلع تلك الغصة التي تسد صدورنا وتخنق أنفاسنا؟
هو: لا يمكنك تشكيل الطين إلا عندما تصبحين ماءً، اجتهدي بأن تصبحي ماءً، وبعدها ستصبح جميع الأقدار، حلوها ومرها، جميلة.
الميلاد المائي
نتشابه نحن والكون في مشاهد ولادتنا، نولد لحظة تدفق السائل المائي من رحم أمهاتنا، وولد الكون حسب الأساطير القديمة من المياه الأولى التي انبثق منها كل شيء، والذي سمي ب(نمو) في الأساطير السومرية، و(يم) في الأسطورة الكنعانية، و(نون) في الأسطورة المصرية. أما في أسطورتي اسمها (هي).
من الميلاد إلى الجهاد
يمكننا اعتبار الماء كاشفةً لخبايا الروح وأبوابها المظلمة، فنركسوس لم يكتشف نرجسيته إلا بعد رؤية انعكاس صورته على الماء، و(هي) لم تكتشف أن لها هويات متعددة إلا بعد رؤية الماء كانعكاس لها. فمن ناحية تنساب برقة وسلاسة كجدولٍ، ومن ناحية أخرى تندفع بغضب كالطوفان قادرة على تدمير هائل. كيف استطاع الماء أن يستخدم هوياته المتعددة ليتأقلم حسب المرحلة التي يمر فيها؟ كيف استطاع أن يعيد تشكيل ذاته؟
عندما تزداد حرارة الأجواء وحدتها، يتبخر الماء من سطح البحر متخليّاً عن عقباته مترفعاً عن رغباته وشهواته هاجراً الهجر الجميل. صاعدًا إلى السماء كخلوة ينعزل بها مع نفسه ليصبر الصبر الجميل حتى الوقت الذي يحين به الله سبحانه، يتكثف تدريجيًا حتى يتساقط مرة أخرى حلوًا، شفافًا، رقيقًا، غاسلًا الأرض والقلب من ذنوبهما، مجدداً للأرض وأشجارها، منقيًا للهواء، مليّنًا الصخور. مالئًا نفسه في السماء ليستطيع ملأ من كان جوفه فارغًا في الأرض كاستجابةً لنداءٍ كان خفيًّا، لينساب الماء عبر الأنهار والجداول ويتكيف مع التضاريس، حتى تفيض بلطف لتعود تصب مرة أخرى في البحر، وكأن تلك الدورة تنبئنا النبأ المبين بأن كل عطاء خيّر تفعله سيصب في جوفك مرة أخرى. (هي) هذبت ذاتها وأعادت تشكيلها باتخاذها الماء معلمًا لها.
من الجهاد إلى النضوب
«أيُّها الساقي إِلَيكَ المُشتَكى
قَد دَعَوناكَ وَإِن لَم تَسمَع
غُصنَ بانٍ مالَ مِن حَيثُ اِستَوى»*
يمر الإنسان بتحديات في الحياة تهدف إلى اختبار ثباته على القيم الخيرة التي ملأها في ذاته. كل تلك التجارب التي نختبرها في حياتنا بمثابة حروب صغرى نخوضها لتصقل جانبًا ضعيفًا فينا، أو تبرز قوةً فينا لم نكن نتخيل امتلاكها، لتظهر أجمل ما فينا، أو حتى أسوأ ما بداخلنا. تكرار تلك الحروب يسبب أحيانًا عطشًا روحيًا حد النضوب. عطشى (هي) عن جميع المشاعر التي لم تملأ، وعن جميع الخيبات التي جفت بها الروح، وعن جميع الأمنيات التي جهضت. عطشى (هي) حتى لم يعد هناك صوت لذلك المحارب الصغير القابع داخلها، عطشى (هي) حتى أصبحت كالطير الذي كبل جناحيه في مستنقع راكد عاجزاً عن الحراك والخروج منه. فكيف لنا أن نروي ذاك
الجفاف؟ ومن هو الساقي؟
من النضوب إلى الخلود
على الرغم من اختلاف الثقافة والأحداث التاريخية لكل من الخضر عليه السلام وجلجامش إلى أن كلاهما كانا يبحثان عن ينبوع الحياة الذي تعددت رمزياته بين خلود الحياة والحكمة والمعرفة، إلا أن أقرب التفاسير هو الإشارة إلى اسم الله «الحيّ» للدلالة على صفة الحياة الدائمة. ولا عجب بأن يتم الإجماع في الأدبيات الصوفية بأن الساقي هو الله سبحانه وتعالى تأكيداً أن جميع مساعي البحث عن الكمال الذي يكمن في الإنسان قادت في النهاية إلى الله وأن ارتواء العطش الروحي ينبع ويتجلى من مواصلة الرحلة نحو الله والقرب منه.
«أراني خضرًا يبحث عن ينبوعه
وأراني جلجامش يسافر بعيداً ليلاقي خلوده
أراني عشتار لا تخضر أشجاري إلا بتموز
[يا كل من يعطش تعال الى المياه»]*
هذه كانت رسالة من تحت الماء، كلمات طافيةً على السطح في عامي الأربعين، وأمنياتٍ بأن أشبه الماء أكثر في كل عام.
تعلمت من الماء أن أعظم القيم هي الحرية، غير مقيدة أبدًا بموقع ولا حالة، فيمكنني أن أصبح شلالًا أو بحرًا أو محيطًا.
تعلمت أن اللين شجاعة، فأتشكل حسب الإناء الذي يحويني، ولا أخاف التغيير.
تعلمت أن الرخاء يكمن في الانسيابية والسلاسة، أتدفق كالماء بين الصعاب لأجد طرقًا جديدة للتقدم.
تعلمت أن الرقة قوة، وأن بإمكان قطرات بسيطة مستمرة أن تليّن أصلب الأحجار.
تعلمت أن الماء مغتسل طاهر، يطهرني عبر دموعي من دنس الذنوب، وصمام ينفس عن الضغط القابع في قعر الروح.
تعلمت أن الماء ليس لطيفًا دائمًا، بل بإمكاني أن أثور عند الحاجة كالطوفان.
تعلمت أن الصفاء عنواني، فأحافظ على قلبي سليمًا بدون تعكير الرزايا التي تشوب القلب وتحجب عنه الدعاء.
تعلمت أن أتنفس تحت الماء ولا أغرق حتى استمتع بالحياة مع الثقة أن أقدار الله هي الراعي الحكيم للرحلة.
ماذا عنك؟ ماذا تعلمت؟