جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2025

بين التمني والوصول
25 شباط
الأدب والفلسفة

بين التمني والوصول

25 شباط

|

الأدب والفلسفة
بدعم من

هل نحن نسير في مسارٍ دائري، يبتدئ من الصفر وينتهي إليه دومًا؟ لماذا تبقى أهدافنا معنا طويلًا؟ نُعاني معها وتعاني معنا، تلازمنا عامًا بعد عام دون تحقق واضح، فتتداخل رغباتنا مع أمنياتنا، ونمضي في لهاثٍ طويل مضنٍ لا نقصر فيه، ومع ذلك لا نصل، وأقصد بالوصول هنا التحقق والإنجاز المبين الذي يهدأ المرء بعده ويستكين ويكمل أيامه برضا.

 

الفرق بين الحاجة والرغبة والأمنية 

إذا طلبت منك – قارئي العزيز- أن تُكمل مكان النقط: أحتاج إلى …..، أرغب في …..، أتمنى أن….، هل لاحظت هذا التفاوت الزمني الكبير بين إجاباتك الثلاث؟ فالذي تحتاجه يمكن أن يتحقق قريبًا، بل يجب أن تحققه قريبًا، والأشياء التي ترغب فيها بينك وبينها حواجز وعراقيل، أما الأمنيات فتبدو بعيدة، يفصلك عنها مسافة من الخيال.

الحاجة هي ضروريات مُلحّة يجب توفيرها من أشياء تشترى ومشاعر يجب إشباعها في أسرع وقت، والرغبة هي احتياجات المستقبل، فهي احتمال الاحتياج في الغد، أما الأمنية هي رغبات بعيدة المنال، لا ترتبط بشكل مباشر بواقعك الحالي، وتحتاج لتصورها قدرًا من الخيال، ويمكن أن نسميها رغبات غير محددّة بالواقع.

نحن لا نصل لأهدافنا لأننا نقع في شَرَك الخلط بين الحاجة والرغبة والأمنية، فنولي اهتمامنا للرغبات والأماني ونهمل الاحتياجات الأساسية، فلا نشعر أبدًا بالراحة عند الوصول، لأن هناك احتياج مُلح قد أهملناه! بل يمكن ألا نصل أصلًا لأن الرغبات والأماني مراوغة، تخدعنا، وتتغير بشكل سريع ولحظي.

المشكلة ليست في السعي، إنسان هذا العصر وفي الحقيقة يسعى ويكابد آلام السعي، ولكن هل نحن نسعى نحو هدفٍ منطقي يمكن الوصول إليه؟! أم نحو أهدافٍ مُتلاعب بها طوال الوقت، فتدفعنا للعدو بأقصى سرعة نحو سراب ووهم.

أهدافنا إذا ارتبطت بما نحتاجه بشكل أساسي، يصبح من السهل تحقيقها، فالحاجة تكون واضحة محددة، فمثلًا تشتري علبة حليب لأن الحليب في المنزل قارب على النفاذ، وهذا الوضوح للأسف لا يتماشى مع عالمنا الحديث، لأنه وببساطة يجعل الإنسان يستهلك بعقلانية وفقًا لحدود، وهذا ما لا تريده الشركات الكبرى، لذلك تغيرت أولوية التسوق من سد الحاجة إلى اللهاث خلف الرغبة، فتحول الناس لمهووسي شراء، لا يكفون عن التسوق لسد رغبات ضبابية ربما لا يدركونها جيدًا في الأصل. نحن ننخدع حينما تسيطر الرغبات والأمنيات على الأهداف التي نسعى لتحقيقها، فتحول لامنطقية الهدف دون وصولنا إليه.

نحن لا نصل، لأننا نلهث راكضين خلف رغباتنا غير المحددة، تلك التي تراوغنا بإستمرار، فنهمل الحاجة في سبيل إشباع رغبة مراوغة، متقلبة المزاج، تغيّر نفسها بسرعة، فنجد أنفسنا في النهاية نطارد الوهم والسراب، فلا نُشبع حاجتنا، تلك التي ستتركنا في حالة مزرية من الاحتياج إذا لم نوفرها، ولا نصل إلى تحقيق أهدافنا تلك التي سيطرت عليها رغبة مزاجية.

 

أمنيات مجنونة

قديمًا كان شراء منزل متوسط وسيارة عادية والعمل في وظيفة مستقرة، بمثابة احتياج وأمنية، وتلك الأشياء يسهل تحقيقها، وتشبع بتحقيقها الحاجة والأمنية في آن واحد مما يعود بالسعادة على الإنسان. أما الآن فنحن نعيش في عصر كراهية الحياة العادية، بل ويرى البعض في الحياة العادية مسبّة وانتقاص! تلك الحياة التي على الأغلب ستتوفر لك بسهولة بقدر منطقي من السعي.

فالأمنيات المجنونة التي تُصنع ويُروّج لها في هذا العصر؛ مثل تحقيق الشهرة، والثراء الفاحش، والجسد المثالي، تُغذي الجري المحموم في مسارٍ دائري، فاستحالة اكتمال الوصول للهدف جعلت من السعي غاية مستقلة بذاتها، لا وسيلة توصلك لشيء ما! ففي عصر ما بعد الحداثة، الأهمية للأشياء التي تحدث سريعًا ومن ثَم تتبخر وتزول، وهذا ما تحققه الأمنية، فهي  تظهر في النفس فجأة، تُغريها وتُغويها، ومع تلك الإتاحة المدهشة في الإمكانات، صار تحقيقها فوريًا أيضًا. فقديمًا كان الإنسان يُرجئ تحقيق الأماني من باب استحالة تحقيقها الآني، يُمني نفسه على سبيل التندر والتسلية أو فتح آفاقٍ جديدة، ولكن إذا هَم لتحقيق هدف ما يكون ذلك الهدف مرتبطًا باحتياجاته الحالية. 

أما الآن فأنت على بعد نقرة زر واحدة من أي عملية شراء مهما كانت، مما يتيح تحقيق الأمنية في لحظة تمنيها، لذلك اتخذ أرباب الشركات الكبرى الأمنيات مبدأ جديد للتسوق والشراء، خصيصًا في التسوق أونلاين، فالشراء يكون عرضيًا تلقائيًا من دون تدبير وحساب، طعمه يشبه حلم التعبير عن أمنية وتحقيقها على السواء، لأن المسافة بينهما تآكلت. 

 

الشراء أصبح مثل كل الأماني؛ طفولي ومبالغ فيه، كما يقول هارڤي فرغسون، وأنا أضيف: ويترك المرء في حالة من ندم وتأنيب الضمير، فإذا تسوقت مدفوعًا بالتمني وإشباع رغبة ضبابية على حساب احتياجاتك، حينها يتحول الشراء إلى ذنب تقترفه وبعدها يراودك الندم. 

لهذا تغذي الإعلانات الوهم في العقول، وتربي أمنيات مجنونة يصعب تحقيقها، وإذا تمت برمجة الإنسان للشراء حسب التمني فلن يتوقف لحظة عن الشراء، بحثًا عن إشباع تلك الأماني التي صنعت خصيصًا لتكون متوحشة، لا تشبع أبدًا، وهذا بالضبط ما يجعلنا نسعى ولا نصل، لأننا نهمل الترتيب المنطقي؛ فالحاجة تسبق الرغبة والأمنية، ويجب العمل على تحقيقها أولًا ومن ثَم التطلع لمستوى آخر. 

كما أن الرغبات والأماني تعتمد على الكمال الخيالي الذي يصعب تحقيقه بالكامل، وإن تحقق يكون بقدر يشوبه النقصان ويغري بالمزيد، أما الحاجة فهي منطقية، واضحة ومحددة، لا تحتاج للتفسير، وتغني الإنسان عن الحيرة والتشتت. 

يقول الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «حُب الكِفاية مِفتاح المَعْجَزَة» أي أنّ حب اكتفاء المرء من كل شيء يورث العجز. وهذه الجملة الموجزة تجيب ببراعة عن سؤال عنوان المقالة، بل تعالج جانب كبير من سبب معاناتنا في عالمنا الحديث، فحينما يكون الهدف أن نصل لأعلى شيء وأفضل شيء، والكفاية التامة من كل شيء، لا نحقق من هذا الهدف سوى الشعور المؤلم بالعجز عن تحقيقه.  

 

تزييف الوصول

في عالم السرعة القصوى، لسنا بحاجة للوصول أو لتحقيق إنجاز ما حقيقي، صورة منه فقط تكفي! فالوقت يداهمنا والطاقة مستنفذه دائمًا، ومع ذلك لا نتوقف لحظة عن تمني المستحيلات! فيلجأ الإنسان الحديث لتزييف الوصول، لذلك يبدو كل الناس على منصات التواصل ناجحين ومتحققين ومستقرين! وإذا ما أردت التطرق لفداحة الآثار النفسية لهذا التزييف لاحتجت إلى مقالاتٍ منفصلة.

أي إنجاز كبير وحقيقي يحتاج لعمل دؤوب طويل ومستمر، دون كللٍ أو ملل، يقول برتراند راسل «الإنجازات العظيمة غير ممكنة دونما عمل دؤوب مستحوذ وصعب بحيث لا يترك سوى القليل من الطاقة لأي طراز من اللهو»، ونحن في عالمنا الحديث نميل للمتع اللحظية، وللكثير من اللهو، كما نصاب بالملل بسرعة، ولا نطيق بذل مجهود كبير لتحقيق أهدافنا، فالهوس بتصفح منصات التواصل يجعلنا دائمًا نرى غيرنا يستمتعون بالوقت بشكل أفضل، فنرغب في الاستمتاع طوال الوقت، وحينما نجبر على فعلٍ جاد، نشعر أن هناك متع هائلة تفوتنا.

في النهاية تجد أن تزييف الوصول أسهل بكثير من الوصول الحقيقي، فمثلا حينما ترغب بشدة أن تكون ثريًا، تلجأ إلى الظهور بمظهر الثراء بدلًا من تحقيق هذا فعليًا، فتشتري كل ما يجعلك تبدو ثريًا، بدلا من العمل على الوصول الحقيقي للثراء، فلا تحقق أبدًا الثراء وتكتفي بهذا الثراء المزيف، ناهيك عن أضرار عيش حياة مزيفة كتلك. هذا مثال وقس عليه كل شيء. فالحب أيضًا يصابه التزييف، فالرغبة الجارفة لعيش قصة حب بالغة الرومانسية، يجعل الناس تميل للعلاقات المعلبة الجاهزة للاستهلاك والاستعراض، بدلًا من العمل على تحقيق علاقة قوية طويلة المدى وراسخة، وهذا نوع من الكذب على النفس، يجني الناس منه خيبة أمل كبيرة حينما يصدموا بالواقع.

فربما لا يصل الناس لأهدافهم لأنهم اكتفوا بتزييف الوصول لهذا الهدف بدلًا من تحقيقه، فتضيع أغلب أوقاتهم في محاولة أن يبدوا ناجحين دون أن يشعروا، ولو للحظة واحدة بطعم النجاح الحقيقي؛ الهادئ والمشبع لحاجة الإنسان في الوصول.

 

ختامًا، أدعوك -قارئي العزيز- أن تفكر مليًا في أهدافك، وإذا تأكدت من منطقيتها وفائدتها قم بحراستها طوال الوقت من أشباح الحياة الحديثة، احمها جيدًا من السرقة ومن التلاعب. وتذكر أن الطريق الوحيد لتحقيق الوصول يكمن في التوازن ما بين الحاجة والرغبة والقدرة على الفعل، وأي خلل في تلك المكونات يزيد من المسافة التي ما بين التمني والوصول. 

 
40
0
اشتراك
تنبيه
guest

3 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

الإيثار‎ ‎الفعّال:‎ ‎كيف‎ ‎تبلغ‎ ‎عاطفتنا‎ ‎المعطاءة‎ ‎أقصاها
28 آذار

|

النفس والعاطفة
وقت القراءة: 4 دقائق
راوغ اكتئابك بعد النجاح
19 شباط

|

النفس والعاطفة
وقت القراءة: 5 دقائق
الآنسة أرق
25 أيلول

|

النفس والعاطفة
وقت القراءة: 6 دقائق

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً