جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2025

كيف نقرأ الكتب؟
30 كانون الثاني
الأدب والفلسفة

كيف نقرأ الكتب؟

30 كانون الثاني

|

الأدب والفلسفة

نحن نقرأ، لا أحد يستطيع أن ينكر هذا، فمعارض الكتب العربية تكتظ بالزائرين والمشترين، وعدد المكتبات في زيادة إذا ما قارنّاه بأي وقت مضى، والكتب تنتج بشكل كبير وتتوفر بسهولة أكبر. نحن نقرأ بلا شك، ولكن هل نقرأ الكتب بشكل صحيح؟ أم فقدنا المعنى في القراءة مثلما فقدنا الكثير من المعاني في ظل عالم حديث يقتات على إنسانيتنا وينحيّها جانبًا. 

 

شرط القراءة ومعناها 

القراءة ترتكز على أربعة عناصر أساسية؛ الصمت، والألفة، والتركيز، والقدرة على التفسير والتكامل مع النص. وتفقد القراءة معناها إذا اختلت واحدة من تلك الركائز، وتتحول من فعل يسمو بالعقل والروح إلى فعل أجوف وسطحي.

في زمن غير هذا الزمن، كانت تلك الركائز الأربع تتوفر بسهولة، وبشكل بديهي، ولكن تبدو لي الآن أنها تحديات أربعة، وليسوا مجرّد عناصر يسهل توافرها. وهذا يقودنا لأن نقرّ أن القراءة الحقيقية في زمن الحداثة الصاخب فعل يجب أن تبذل مجهودًا لتحققه، وتحرسه إذا ما تحقق، وتعمل بجد لإكمال شروطه. 

فالصمت يتيح لنا الدهشة، والإندماج مع النص الذي نقرأه، كما يخلصنا من صخب الحياة الحديثة، فنحن نلوذ بالقراءة عن هذا الضجيج، نلتقط أنفسنا ونستعيد هدوء أذهاننا، تلك التي أنهكها الإرهاق الناجم عن اللهاث المستمر والفعل المتسارع. 

 

القراءة الحقيقية تتحقق حينما ينفذ الصمت إلى داخلنا، فيهدأ العقل مندمجًا مع الكلمات في بطء حثيث وماتع. لذلك القراءة المنشغلة باتباع قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، والهوس بالمشاركة والمنفعة السريعة، لا يُعوّل عليها أبدًا، فحينما تتحول القراءة من فعل روحي إلى هوس استهلاكي ينعكس معناها وينقلب وتصبح القراءة فعل مزيف يهتم بالظاهر ويهمل المعنى. 

عبر الصمت نجد ذواتنا، ونحسن طرح الأسئلة وبالتالي نحسن عيش الحياة، وعبر القراءة نبدع في اختيار مسارات حياتنا لا نسير وفقًا لطرق رسمها غيرنا.

 

الألفة شرط من شروط القراءة، أن تتآلف مع ما تقرؤه هو الصدق في ابتغاء الثقافة، وهو شرط لاختيار الكتب؛ القراءة الحقيقية هى أن تقرأ الكتاب الذي ينشأ بينك وبينه ألفة، غير ذلك تكون القراءة مدفوعة، ومتملقة، ومدعيّة. أن تقرأ كتاب لا تألفه روحك نوع من خيانة لفعل القراءة. والتآلف هو اتصال بينك وبين الكتاب، وقد ينشأ التآلف مع كتاب يخالف أفكارك، فالألفة تنشأ مع الكتب التي كُتبت بصدق وبحث عنها القارئ بقلبه. 

 

التركيز، تحدي القراءة الأكبر، فنحن في عصر سرقة التركيز والتشتت، يكفي صوت إشعار يرن من هاتفك، فتدخل فورًا في دوّامة من التشتت ربما لا تخرج منها حتى تنام! لذلك يأتي التركيز في منتصف ركائز القراءة الأربع، في إشارة لكونه عائق، إذا أحسنت القفز من فوقه، تفوز بقراءة حقيقية سخية في عطائها. والنجاح في التركيز فيما تقرأ يكون عبر عدّة محاولات فاشلة، وحينما تنفصل عن الواقع وتولي اهتمامك للنص، يجود عليك بالمعاني التي تتطلب الاهتمام والتركيز الكاملين، حتى تتخطى سطح الورقة، نحو عمق الكلمات. لذلك نحن نقدر الكتب التي تجذبنا نحوها عبر جماليات النص، لا تلك التي تصدنا، وتقف مع صخب العالم الحديث ضدنا عبر وضع عراقيل تعين التشتت علينا. 

والركيزة الرابعة والأخيرة، تبدو لي كنتيجة حتمية لما سبقها، فالصمت والألفة ومن ثم التركيز، يتيح للقارئ إدراك واستيعاب ما يقرؤه، فهي نتيجة وشرط لقراءة حقيقية تسمو بالروح وتضيف للإنسان، ففي النهاية الثقافة هي ما يتبقى في دواخلنا من مشاعر واحاسيس تركتها الكلمات فينا، حتى وإن نسينا ما نقرؤه يبق ذلك الشعور، حينها يصبح المثقف مثقفًا لا مدعيًا. 

هل لاحظت أن هناك رابط خفي مشترك بين الركائز الأربع؟ 

نعم هو بعينه، البطء، سر القراء الأكبر، والعامل الخفي الذي يُتمم معنى القراءة، وهو البوابة الساحرة لعوالم الكتب المدهشة، طعم القراءة وسحرها يكمن في البطء، البطء للقراءة والقراءة من أجل إبطاء جريان الزمن في عالم التسارع المجنون.

 

القراءة تفرد واختلاف

في عالم النسخ واللصق الذي نعيشه، الناس فيه يتشابهون، فالجميع يولي اهتمامًا مبالغًا فيه لكل ما يراه على منصات التواصل الإجتماعي، حتى تحوّل الـ Trend إلى نموذج يحتذي به كل الناس، فصار الناس يقومون بالفعل لا لأنهم يرغبون فيه، ولا لأنه يشبع حاجة خاصة بهم، بل ليواكبوا ما يرونه على منصات التواصل وفقط. 

تخيل معي أيّ عالم مقفل سيقودنا إليه هذا التناسخ المريع بين البشر؟ عالم سيصبح فيه الإنسان آليًا بالكامل، مبرمجًا على الفعل دون إرادة.

القراءة تقاوم التشابه والاستنساخ، لأنها لا تملي على الإنسان ما يفعله، ولا تُغيّره عبر التأثير المباشر عليه، بل تقوده لتغيير نفسه عبر اكتشافها. نحن لسنا بحاجة لقوانين وقواعد لنحسن حياتنا ونعيش بشكل أفضل، بل كل ما نحتاجه هو أن نكتشف أنفسنا، القراءة وحدها هي ما تفعل ذلك، لأنها تقدم مساحة من التفاعل بين الإنسان وعقله وقلبه، الكتب ما هي إلا نوافذ لذواتنا، لأن الإنسان لا يحسن فهم نفسه إلا عبر وسيط آخر يساعده على ذلك بشكل غير مباشر. 

وكما يقول ألبرتو مانغويل: «القراءة، هذا الفعل الانفرادي، هي النشاط التفاعلي الوحيد، يزعمون أن أجهزة الكمبيوتر توفر هذا التفاعل، ولكن هذا غير صحيح! عند استخدام الكمبيوتر، لا يمكنك الاتصال إلا وفقًا لما تمت برمجته عليه، وعندما تفعل ذلك عليك أيضًا إتباع ترتيب معين، القراءة على العكس من ذلك، حرّة تمامًا»، كما يقول ألبرتو مانغويل.

كل الكتب تكتسب قيمتها حينما تُقرأ، فالقراءة هي فعل تأويل لا تلقي، فالقارئ هو من يُكسب للكتاب معناه، وهذا حينما يبدع في تأويله، وهنا يلعب الخيال دورًا أساسيًا في القراءة، وإذا ما كان الخيال مختص بشكل فردي للغاية بكل إنسان، كبصمة الإصبع، أصبح كل كتابٍ يقبل معانٍ متعددة حسب جودة خيال قرّائه. فالقارئ هو حجر الأساس في عملية القراءة، وهو ما يعطي للكتب خلودها، عبر إعادة إنتاج الأفكار والنصوص والخيال في صورة خاصة بها، ينقلها للمجتمع ولمن حوله في صورة إبداع موازٍ. 

 

الكتاب الورقي والاستعمار الرقمي

ما الذي تقدمه لنا التكنولوجيا الجديدة؟ التكنولوجيا الحديثة تتيح لنا تصفحًا غير نهائي، بوابات مفتوحة على كل شيء، وكل شيء يبعد عنك بمسافة نقرة اصبع، فحينما نستخدم هواتفنا الذكية، نجد أن كل شيء مليء بالإعلانات وبالرسائل والمقترحات، فكل من أبل وأمازون وجوجل، تتبعنا، توصينا، تستعمرنا، تبحث عنّا، تغزو حياتنا، تتحكم فينا، تحمينا، وتتيح لنا معلومات لا نهائية. 

ولكن من قال إن الوصول السهل إلى المعلومة يعني الوصول إلى المعرفة؟ 

«إن الغرض الأساسي للوسائط الجديدة هو التسلية الأبدية من دون ترتيب ولا معنى، أما في القراءة فنجد الترتيب ونجد المعنى»، هكذا يقول وزير الثقافة الإسباني السابق، ثيسار أنطونيو مولينا في كتابه. 

الهواتف الذكية تمدنا بالتسلية والتواصل السهل والإتاحة المغرية لكل شيء، دون ترتيب، فهي ترتكز على السرعة واللذة اللحظية الفورية. وهذا ما يتنافى تمامًا ومعنى القراءة، القراءة الحقيقية، فعل تعمق، واستخراج المعاني، وكما أسلفنا الذكر؛ القراءة ترتكز على الصمت والتآلف التركيز والقدرة على استيعاب النص. وهذا مما يستحيل توفره في الوسائط الجديدة. 

أي شيء يسرّع من عملية القراءة ويختزلها يدمر القراءة ويلغي معناها بل ويعاكسه، يقول الفيلسوف ميشيل لكروا: «خلال عملية القراءة تتشكل الصورة الذهنية بصفة تدريجية، فبخلاف الصورة الخارجية التي تنبعث كاملة التكوين، تحتاج الصور الداخلية إلى الوقت، ويساعد بطء نضجها على ظهور مشاعر عميقة تتفاعل مع الحياة الباطنية».

نحن بحاجة إلى ذلك البطء التي تمدنا به القراءة، عقولنا تحتاجه، هذا الهوس المريع بالسرعة، إنما يقودنا لاستهلاك مشاعرنا، نحن الآن نعيش حياتنا منهكين من هذا التسرع الذي لا مبرر له. ومع ذلك لا يكف المستعمرون الرقميون، كما يسميهم مولينا في كتابه سالف الذكر، أن يحثوا الناس على القراءة عبر الوسائط الإلكترونية، وأن الكتاب الورقي رجعي وقبيح.

 

أي خطأ نقع فيه إذا ما تركنا تمسكنا بالكتاب الورقي، الكتاب الورقي يعني القراءة البطيئة المتعمقة، يعنى استيعاب ما نقرأ، وأن كل ما نقرأه عبر الشاشات تذروه الريح ولا يبق في دواخلنا منه أي شيء.

 لذلك حظر ميلان كونديرا، بفهمه السابق، الصيغة الرقمية على جميع أعماله، مؤكدًا على أن القراءة باعتبارها تجربة معقدة لا تتم سوى على الورق. 

 

وهذا ما تؤكده الأبحاث الحديثة، فالسويد على سبيل المثال، تعلن تخليها عن الأجهزة اللوحية والشاشات في التعلم، بعد أن وجدت البلاد تراجعًا في مستوى مهارات القراءة والكتابة، لذلك خصصت الدولة 60 مليون دولار لتنفيذ سياسة العودة للكتب الورقية.

الكتاب الورقي هو روح القراءة الحقيقية، تلك التي تعتمد على البطء، فعلام العجلة؟ القراءة فن إبطاء تسارع العالم الحديث، فقط القراءة المزيفة هي التي تعتمد على السرعة، والإنجاز، والأرقام.

 

في النهاية أختم بما قاله «جنتلمان» المكتبات؛ ألبرتو مانغويل: «عليك أن تدرك أنك لا تصبح قارئًا بسهولة. هناك تدريب كامل يجب القيام به، فالقراءة ليست نشاطًا سهلًا مثل ألعاب الفيديو، أو مشاهدة التلفاز؛ بل هي تتطلب تنشيط الفكر، والإرادة لتجاوز المظاهر، والتعمق أكثر فأكثر في النص، وتجاوز ما يبدو أنه يقال على سطح الصفحة. كل هذا يمثل جهدًا حقيقيًا. عصرنا، الآن، لم يعد يؤمن بسعادة الصعوبة: نريد أن يكون كل شيء أسرع وأسهل.»

25
0
اشتراك
تنبيه
guest

4 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

لماذا نلتقط الصور؟
25 آب

|

النفس والعاطفة
وقت القراءة: 6 دقائق
لماذا نشعر بالملل؟
19 أيلول

|

الأدب والفلسفة
وقت القراءة: 8 دقائق
الأصدقاء مصاصو الطاقة
23 كانون الثاني

|

العلاقات
وقت القراءة: 6 دقائق

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً