بين فينةٍ وأخرى نطالع منشورًا تربويًا، أو بودكاست علميًا، أو نصيحةً من مستثمرٍ ماليٍّ يخطط لمشروعٍ يبتلع ما تبقّى من أموال الفقراء والمعوزين، أو خطبةً من منبرٍ عاجيٍّ تُوسّع الفجوة بين الناس، أو رأيًا لشابٍّ حديثِ التخرّجِ لم يشب رأسُه بعد، أو لمشهورٍ تتبدّل آراؤه تبعًا للإعلانات والمحتوى.
ومؤخرًا، وقعتُ على منشورٍ جميلٍ عن العتاب، يُذكّر بأن الإكثار منه يوغر الصدر ويجرح القلب. ولا ريب في ذلك؛ فكما أن كثرة العتاب مؤلمة، فإن الإفراط في العقاب أو التوبيخ أو التغافل أو التقدير في غير موضعه يُفسد الودّ ويشوّه المعنى.
حسنًا، ماذا بعد هذه المقدّمة؟
أرى أن ترك العتاب مطلقًا ليس بمحمودٍ، كما أنّ الإكثار منه ليس ممدوحًا؛ فالعتاب بين الناس ميزانٌ دقيق، إذا اختلّ مال أحد طرفيه واعوجّ الطريق، والمعاتبة في هذا الطريق لوحاتٌ إرشادية تدعوك إلى الهدوء والتريّث.
عتابُ الأبِ لأولاده، والزوجةِ لزوجها، والصديقِ لزميله، والأخِ لأخيه، محمودٌ إذا كان نابعًا من تقصيرٍ أو غفلةٍ أو خطأٍ يُرجى إصلاحُه. وهو كذلك واجبٌ، ومن حقّ المعلّم على تلاميذه إن قصّروا، كما هو من حقّ الصديق على صديقه إن جفاه أو أهمله، أو الابن إن عقّ والديه.
لكنّ أكثر ما يُثار اليوم هو عتاب الأصحاب؛ فنحن نعيش بين فريقين:
فريقٍ لا يُفرّق بين المصارحة والمقابحة، ويعدّ العتاب سِمةً لأهل “النفسيّات”، وفريقٍ بالغِ الحساسية، لا يفرّق بين المواقف وظروفها.
نعم، للصديق أن يُعاتب، لأنّ العتاب بين الأصدقاء أو الأزواج أو الجيران معيارُ العلاقة وميزانُ المحبة؛ لا ينبغي أن يطغى فيه جانبٌ على آخر. فالتجاهل يُوسّع الفجوة، وقد يُفهم على أنّه لا مبالاة، وحينئذٍ تتّسع ولا نستطيع ردمها.
أما الإفراط في العتاب فهو تفريطٌ بالعلاقة، فكثرته تُغرق المودّة وتُفسدها. "خُذْ منه على قدر الحاجة، فالإكثارُ منه ضارّ"، العتابُ بعد الخطأ عودةٌ بالطريق إلى استقامته، و«الكلامُ اللّينُ يغلبُ الحقَّ البيِّن»، فإذا كان العتاب رقيقًا مليحًا انساب إلى القلوب، ولو كانت حجريّة.
والتغافل أيضًا مطلوب، فهو يُخفّف من شدّة العتاب وحدّته، لكنّ الإفراط فيه يُفقدك حقّك ويُغري الآخرين بتجاوُزك. فاعرفْ مَن تُعاتب، ومتى، وبأيّ أسلوبٍ يكون العتاب، ولا تجعل العتاب أداةً للتجريح أو الانتقام أو الاحتقار، ولا تكرّره حتى لا يتحوّل إلى خنجرٍ يمزّق ما تبقّى من خيوط التواصل.
وكما نلوم من يُكثر العتاب، ينبغي أن نذكّر المُعاتَب – بضمّ الميم وفتح العين – بأنّ العتاب في جوهره دليلُ اهتمام، وأنّ حبل الودّ لم يُقطع بعد، وأنّ ما بيننا لا يزال يستحقّ الرفق والإصلاح.
وأين منّا تلك الحكمة التي ندندن بها: "التمسْ له عذرًا"؟ إنها للطرفين جميعًا.
وملحـة الوداع لخصها بشّار بن بُرد في قوله:
إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتبًا
صديقَك لم تلقَ الذي لا تُعاتبُه
فعِشْ واحدًا أو صِلْ أخاكَ، فإنّه
مقارفُ ذنبٍ تارةً ومجانِبُه
شاركنا تعليك من هنا