تُعدّ أرض العلاقات ساحةً خصبةً للتقلبات والمواقف، نعيش فيها فصولًا متبدّلة من المشاعر، فنشهد عواطف متناقضة تكشف لنا ملامح أنفسنا وما يخفيه الآخرون. هي مرآة نرى فيها ذواتنا، تُظهر ما فينا من جمال وضعف، وتمنحنا أحيانًا فرصة لفهم أنفسنا بعمقٍ أكبر وتفهّم من حولنا. تمرّ بنا هذه العلاقات كما تمرّ الفصول بالأرض؛ تارةً تُزهر القلوب حبًا وتعلّقًا، وتارةً تذبل لتعلّمنا الفقد والنجاة.
لكن، ماذا لو انتهت العلاقة بالفشل، وكان الانفصال هو الحلّ الأنسب؟
ماذا عن الطرف الأكثر تعلقًا؟ كيف يواجه فراغ القلب بعد الامتلاء؟
يمرّ هذا الطرف بالعاصفة أولاً، يواجه الرياح وجهًا لوجه، ويحاول النجاة من أمواجٍ لم يكن يتوقعها. فقد أودع مشاعره أمانةً عند الآخر، ولم يستعد ليومٍ يُسترد فيه قلبه فجأة. ومع أن مؤشرات البرود والفتور كانت واضحة كغروبٍ يعلن نهاية النهار، ظلّ متمسكًا ببصيص الضوء حتى آخر لحظة.
ورغم ما نُحيط به قلوبنا من دروعٍ لحمايتها، نجد أنفسنا في النهاية مكشوفين أمام الهجر، ضعفاء أمام الرفض، كمن فقد سلاحه في منتصف المعركة. فهل سبب هذا الانكسار هو الخوف من الهجر ذاته؟ أم أن الوحدة هي ما يرعبنا، فنتمسك بأي بقايا دفء حتى لو بدت كجمرةٍ توشك أن تنطفئ؟
كثيرًا ما ينبع الخوف من الهجر من الحب العميق الذي نحمله، ومن الأثر الذي يتركه وجود الآخرين في حياتنا. يصعب علينا تقبّل فكرة أن من كان لنا وطنًا اختار الرحيل. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الخوف إلى جرحٍ ناضج، يعلمنا الحذر دون أن يطفئ فينا الرغبة في الحب من جديد.
وربما يكون السبب الأعمق هو أن الإنسان لا يحتمل الوحدة بعد اعتياده على الرفقة. فالعزلة، حين تأتي بعد الألفة، تشبه الصمت الذي يلي موسيقى أحببناها طويلًا — مؤلم، لكنه يوقظ وعينا ويكشف لنا حقيقة ما فقدناه.
في كلتا الحالتين، يمضي الإنسان وفي قلبه حنينٌ خافت، يعود به إلى الأصوات التي كانت تأنس أيامه، وتخفف عنه وطأة الوقت، مهما بدا قويًا منشغلًا بذاته. فحتى الأقوياء، حين يهدأ صخب الحياة، يسمعون صدى الغائبين في أعماقهم كأغنيةٍ لا تنتهي.
شاركنا تعليك من هنا