التسامح خلق جميل، وأجمل منه مَن يتحلّى به صدقًا. كثير من الناس يزعمون قدرتهم على المسامحة متى ما كان الخطأ موجّهًا إليهم، قولًا كان أو فعلًا. إلا أنّ ميزان التسامح يختلّ حين لا يقع الألم علينا نحن، بل على أحد ممّن نحب؛ نكتشف حينها أن التسامح يصبح أثقل بكثير. ونجد أنفسنا فجأة عاجزين عن تجاوز تلك الإساءة، ونتساءل: كيف أسامح مَن أذى شخصًا أعزّه؟
ومن هنا يتشكّل السؤال الحقيقي: لماذا يصعب التسامح حين يكون الجرح موجّهًا إلى أحبّتنا… لا إلينا؟
حين يوجَّه الألم لغيرنا… لكنه يصيبنا نحن أيضًا
هناك نوعٌ من الألم لا يصل إلينا مباشرة، بل يمرّ عبر شخصٍ نحبه ويستقر في داخلنا، وكأنه أصابنا نحن. حين نرى أمًا تحزن، أو أختًا تبكي، أو صديقًا ينكسر… نشعر أن جزءًا من اتزاننا الداخلي يهتز، وأن الحزن يُعاد توزيعه بيننا وبينهم. وكأن العلاقات العميقة تُذيب الحدود الفاصلة بين "مَن يتألم" و"مَن يشاهد".
غريزة الحماية ليست مفهومًا شاعريًا، بل ظاهرة معروفة في علم النفس والبيولوجيا. فالأم تحمي طفلها دون تفكير، والأب يتحرّك قبل أن يسأل نفسه: هل هذا فوق طاقتي؟ وهذه الغريزة لا تنحصر في رابطة الوالدين فحسب، بل تمتد إلى كل علاقة يشعر فيها الإنسان بالأمان والارتباط. وحين نحبّ أحدًا بعمق، تصبح مشاعره جزءًا منا؛ يتّسع صدره فنرتاح، وينكسر صوته فننقبض.
تبيّن أبحاث في علم الأعصاب أن رؤية شخصٍ مقرّب يتألم تُنشّط مناطق الألم ذاتها في الدماغ، كما لو أن الجرح يعبر إليه ثم يستقر فينا. وفي تجربة لافتة على الفئران، وُضع فأر يراقب أفرادًا من مجموعته يتألمون، فارتفعت استجابات الألم لديه رغم أنه لم يُصب؛ وكأن الجسد يعلن: "أنا أيضًا أشعر".
لهذا يصعب علينا التسامح؛ لأن الجرح الذي أصابهم يصبح، بطريقةٍ ما، جرحًا يخصّنا نحن، جرحًا يمرّ عبر القلب قبل العقل. وكلما كان الشخص أقرب، كان الألم أشد حضورًا، وأصعب على النفس تجاهله.
لكن هذا الشعور الطبيعي قد يتحوّل أحيانًا إلى اندفاع… وهنا يبرز سؤالٌ آخر: كيف نحميهم دون أن نُبالغ؟
بين الحماية والمحاولة… أين نقف؟
نحاول أن نمنح من نحبّهم مظلّة واسعة من الحماية؛ نغضب لغضبهم، نتحدث نيابةً عنهم، نبرّر لهم، ونحمل عنهم همومًا لم يطلبوا منا حملها. يحدث ذلك بدافع المحبة، كما في قصة جاك وروز في فيلم تايتانيك؛ لم يكن جاك قادرًا على تغيير المصير؛ لكنه كان يعرف أن بقاء روز على قطعة الخشب يعني نجاتها، وأن وجوده في الماء يعني نهايته. فاختار ببساطة أن يبتعد، تاركًا لها فرصة البقاء.
نحن لا نعيش تلك القصص الدرامية، لكننا نعرف المشاعر التي تشبهها. نرتجف حين يبكي من نحبّه، ونشعر بألم خفيف في الصدر حين يختنق صوته، وكأن الحزن يدخل من ملامحه إلى أجسادنا. هذا الاندفاع فطرة، لكن الفطرة قد تتحول إلى مبالغة حين يختلط الحب بالخوف.
فنسعى إلى الدفاع عنهم قبل أن يستوعبوا ما حدث، ونضع أنفسنا في موضع الحامي الدائم. نتصرف وكأن علينا تحمل الألم عنهم، وأن نصنع لهم مسارًا أكثر سلاسة. لكن الحقيقة أن الاحتواء بلا حدود يرهق صاحبه ويشوه العلاقة. الحب لا يطلب منّا أن نكون الدرع الذي لا ينكسر، بل يطلب أن نكون قريبين بالقدر الذي يسمح لنا بمساعدتهم دون أن نذوب في أوجاعهم؛ أن نفهم متى يكون تدخلنا دعمًا، ومتى يتحوّل إلى عبء غير مرغوب.
وفي العلاقات الصحية، الحماية ليست اندفاعًا مستمرًا، بل وعيًا يوازن بين القلب والعقل: كيف أكون سندًا دون أن ألغي مساحة الآخر؟ وكيف أكون قريبًا دون أن أختفي خلف أوجاعه؟
عندما يتحوّل الموقف إلى "ذكرى" لا تختفي بسهولة
الأذى الذي يقترب من أحبابنا لا يمرّ كحدث عابر؛ بل يتحوّل إلى صورة عالقة. لا نتذكّر تفاصيل الكلام بقدر ما نتذكّر ملامح الوجه الحزين، ارتجاف اليد، أو نظرة الانكسار. هذه الصور تبقى في الذاكرة حتى حين تُشفى الجروح، لأن الذاكرة العاطفية تحفظ الأحاسيس بحدة أكبر من حفظها للحدث نفسه.
أما الجرح الذي يصيبنا شخصيًا، فقد نمرّ عليه بخفة، أو نغفره ببساطة، أو نبرّر صاحبه. لكن الجرح الذي يطال أحبّتنا يعلَق بطريقة مختلفة، وكأن أحدًا لمس منطقة محظورة. ولهذا يحتاج التسامح هنا وقتًا أطول ومسافة أعمق. فالقلب يتذكّر، والعقل يحاول أن يفهم، والذاكرة تعيد المشهد ولو خفت صداه.
وقد يحدث أن نُعيد التفكير بالموقف مرارًا، ليس لأننا نبحث عن غلّ، بل لأن صورة الحزن على ملامح من نحبّهم لا تزول بسرعة. وحين يصبح الأذى جزءًا من المشهد الداخلي، يصبح التسامح رحلة لا قرار… عملية تهدئة للنفس، وتفكيكًا للذاكرة، وإعادة ترتيب للحدود.
تمرّ الأيام، وتخفّ حدّة الصورة، لكن أثرها يبقى ليذكّرنا أن الحماية العاطفية ليست دائمًا غضبًا، بل قد تكون صبرًا، أو مسافة، أو إعادة تقييم للعلاقة، أو فهمًا مختلفًا لما نستطيع أن نعطيه ولما يجب أن نتركه يمضي.
نحن لا نتشدّد ولا نغضب لأجل أحبابنا بلا سبب؛ نحن نفعل ذلك لأن وجعهم يلامس منطقة حسّاسة في القلب. لكن الحماية الحقيقية لا تُقاس بصوت غضبنا، بل بقدرتنا على الهدوء والفهم. وحين نتعلّم كيف نوازن بين المحبة والحدود، يصبح التسامح ممكنًا.
شاركنا تعليك من هنا