نتساءل منذ طفولتنا عن ماهية الحب؛ ذاك الذي لا يبدو صعبًا في نظرنا ونحن أطفال، نلاحظه في أعين والدينا، في انتباههم الذي نصبو إليه عندما نحكي، وفي الحضن حين نخاف، فنهدأ مع كل لمسة وحضور.
لطالما امتد التساؤل تجاه مفهوم الحب.
أهو الافتتان الأول بأحدهم؟ أم الفكرة التي تطرأ علينا لحظة الاستيقاظ؟ أم ذاك الركض المستمر الذي لا ينتهي إلى شيء؟ أم الرغبة الملحّة في التمسك؟
لا جواب محدد لفكرة الحب.
الخلط بين الحب وأشباهه
يذكرنا فروم بأن الحب ليس انفعالًا عابرًا ولا شعورًا نغرق فيه دون إدراك، كما تصوّره لنا بعض الأفلام والروايات، فيبدو لنا انصهارًا تامًا وتعمّقًا بالآخر بصورة تمنح الأمر مسحة شاعرية.
غير أن الحب الحقيقي له بُعد آخر أكثر عمقًا؛ ولأننا لا نملك معرفة واضحة بمفهومه، فإننا غالبًا ما نخلط بينه وبين مشاعر أخرى.
أكد فروم أن الحب فن، كأي فن آخر، يحتاج إتقانه إلى التعلّم:
«فإذا أردنا أن نتعلم الحب علينا أن نبدأ مثلما نبدأ في تعلم أي فن آخر، كالموسيقى أو الرسم أو أيٍّ من الفنون الأخرى».
فهل انجذابنا إلى جسد الآخر يعني أننا نحبه فعلًا؟ أم أننا نلبي نداءً بيولوجيًا ورغبة غريزية لا تلبث أن تخبو بعد الإشباع؟
وهل حين نتمسك بإنسان ونفقد توازننا عند غيابه نُسمّى عشّاقًا؟ أم أن الأمر يكشف هشاشتنا الداخلية، فنلهث وراء أي شيء ونهرب إلى كل ما نصادفه اتقاءً لوحدتنا التي لا تنفكّ عنّا.
يرى فروم أن هذه كلها أوهام، أقنعة نغطي بها قلقنا العميق وهروبنا من مواجهة ذواتنا.
الحب كفعل إرادي
الحب الحقيقي ليس اشتعالًا متوقدًا طوال الوقت، بل هو موقف إنساني ضروري يتيح للإنسان أن ينمو ويزدهر؛ إنه فعل وجودي نستقيم به.
قد يبدو الأمر غريبًا، لكن علينا أن نتعلم كيف نحب الآخر دون أن نسلبه ذاته أو نستولي عليه باسم المشاعر. فمن الصعب أن نخلق تصورًا جديدًا عن الحب بطريقة أكثر وعيًا ما لم نتحرر من هذا الوهم.
إن إعادة تشكيل مفهوم الحب في أذهاننا تحتاج الكثير، فالحب قرار يتجدد كل يوم، ولا يمكن أن يقوم على شرارة عابرة نشعر بها. إنه مسؤولية صادقة تجاه من نحب: أن نفهمه ونرعاه، لا أن نغرقه فينا حتى يذوب.
الحب عند فروم ليس امتلاكًا ولا قيدًا للحرية الشخصية ولا ذوبانًا يطمس فردية الآخر. وكما قال جلال الدين الرومي: «أريد لمن أحب أن يكون حرًا حتى مني. أتدري من الذي إذا علّمته الطيران طار وعاد إليك؟ إنه الذي وجد فيك حريته».
الحب والنضج الإنساني
يرى فروم أن الحب فعل نابع من النضج الإنساني، وليس مجرد انجذاب عابر أو تملك للآخر.
الحب من وجهة نظره مسؤولية وقرار يتجدد كل يوم، يقوم على الفهم والرعاية والاحترام. هو القدرة على أن نحب الآخر دون أن نذوب فيه، وأن نمنحه الحرية بدلًا من تقييده.
الحب بهذا المعنى لا يُختزل في شغف قصير العمر، ولا يُقاس بكمية الانجذاب أو الرغبة، بل هو فن يحتاج أن نتعلمه كما نتعلم أي مهارة، لأنه يتطلب وعيًا بالذات أولًا، قبل أن يكون علاقة مع الآخر.
قد يكون الحب أعظم ما يمنحنا إنسانيتنا، لكنه في الوقت ذاته أصعب الفنون إتقانًا.
فهل الحبّ حِرفة يعمل المرء على صقلها حتى يتقنها؟
أم محض صدفةٍ تحدث من حينٍ لآخر دون أن يجتهد المرء في سبيلها؟


