في كل عامٍ ميلادي جديد، يتفنّن الناس في رسم الخطط وبرامج “التجديد”، ويعلّقون آمالهم على العام القادم بوصفه فرصة ذهبية لصناعة نسخة أفضل من ذواتهم. تُكتب الأهداف بحماس، وتُعلَّق النوايا على التقويم، ويُعاد ترتيب الحياة وكأن الزمن وحده قادر على منحنا بداية نظيفة. وكنتُ يومًا واحدةً من أولئك المتحمسين؛ أؤمن بالتحسين، وأحسن الظن بالبدايات، وأرى في السنة الجديدة وعدًا صادقًا بالتغيير، وفرصة حقيقية للاقتراب أكثر من النسخة التي أطمح أن أكونها.
لكن في الأعوام الأخيرة، تسلّل إليّ الإحباط بهدوء. لم يكن فجائيًا، بل تراكمًا بطيئًا ناتجًا عن تكرار الخطط ذاتها، والطموحات نفسها، والنهايات غير المكتملة. شيئًا فشيئًا، فقدت تلك القوائم بريقها، وبدأت أتساءل بصدق: ما جدوى كل هذا السعي إن كان ينتهي كل مرة إلى النقطة نفسها؟ ما قيمة الحماس إن كان يخبو قبل أن يتحقق؟
ومع هذا التراجع، وجدت نفسي أنسحب من ضجيج البدايات الصاخبة، وأقترب من نمط حياةٍ أكثر هدوءًا، أقرب إلى الحياة البوهيمية؛ بلا التزامات كبيرة، ولا تطلعات بعيدة، ولا مقاومة تُذكر. حياة خفيفة، سهلة، بلا خيبات… لكنها أيضًا بلا صبوة، بلا دهشة، وبلا شعور حقيقي بالامتلاء. كانت مريحة، نعم، لكنها خالية من المعنى.
هذا العام، توقفت طويلًا عند هذا الفراغ. وأعلنت، بيني وبين نفسي، قرارًا مختلفًا: أن أعود. لا إلى الخطط وحدها، ولا إلى قوائم الأهداف، بل إلى تلك النسخة التي كانت تحب الحياة ما استطاعت إليها سبيلًا؛ نسخة الحماس، والتجارب، والمحاولة، والفشل، والقيام من جديد. نسخة الطموح المتعب، لكنها الحيّة.
شاركت أختي هذا الشعور، وتحدثت عن شموخ القديمة؛ تلك التي، رغم عيوبها وتسرّعها وأخطائها، بدت لي أكثر صدقًا، وأكثر شغفًا، وأكثر قربًا من الحياة من النسخة الحالية. استمعت إليّ أختي بدعم، ثم سألتني بهدوء أربكني: هل أنتِ متأكدة أنكِ تريدين العودة؟ قد تكونين قد تطوّرتِ، وربما قادتك التجارب إلى منحنى آخر من الحياة والاهتمامات.
توقفت عند سؤالها طويلًا. لماذا أشتاق لتلك النسخة؟ ولماذا يراودنا هذا الحنين إلى ذواتنا القديمة في لحظات معيّنة من أعمارنا؟
اختلاف الذات: حين لا نتطابق مع أنفسنا
نحن نشتاق إلى ذواتنا القديمة حين نشعر بأن هناك فجوة بين من نحن عليه الآن، ومن كنّا عليه سابقًا. فالإنسان لا يحمل صورة واحدة لذاته، بل صورًا متعددة: الذات الحالية، والذات المثالية التي يطمح أن يكونها، والذات التي كان عليها في مراحل سابقة من حياته. أحيانًا تتناغم هذه الصور، وأحيانًا تتصادم. قد نحقق بعض أحلامنا المبكرة، أو نفشل فيها، أو نغيّر اتجاهنا بالكامل. وحين تبتعد صورتنا الحالية عن صورة قديمة كنا نشعر فيها بالاتساق، تنشأ فجوة تُعرف في علم النفس بـ “اختلاف الذات”، وتوقظ في داخلنا مشاعر الحنين إلى زمنٍ شعرنا فيه بأننا أقرب لما نريده لأنفسنا.
النوستالجيا كآلية نفسية
النوستالجيا ليست مجرد عاطفة عابرة، بل آلية نفسية تحافظ على استمرارية الهوية عبر الزمن. إنها الجسر الذي يربط الماضي بالحاضر، ويمنحنا شعورًا بالثبات وسط التغيٌر. لذلك، كثيرًا ما يظهر الحنين في أوقات الضغط، أو الوحدة، أو التحولات الكبرى؛ إذ يساعد استحضار الماضي على تحسين الحالة المزاجية وتعزيز تقدير الذات. وحين تكبر المسؤوليات، وتتراكم الأعباء، يصبح الحنين محاولة نفسية لاستعادة شعور قديم بالراحة والأمان.
خدعة الذاكرة
لكن هذا الحنين لا يخلو من خدعة خفيّة. فالذاكرة ليست محايدة كما نحب أن نعتقد؛ نحن نميل إلى تذكّر اللحظات الجميلة، وننسى المصاعب، فيما يسمّيه علماء النفس “الانتقاء المعرفي”. وهكذا، يبدو الماضي أكثر بريقًا مما كان عليه في الواقع، وتبدو النسخة القديمة أكثر مثالية، رغم أنها – في وقتها – كانت مثقلة بتحدياتها الخاصة.
بين الفلسفة والتجربة
تساءل الفلاسفة طويلًا حول استمرارية الهوية: هل نبقى الأشخاص أنفسهم عبر الزمن، أم أننا نتحوّل إلى أشخاص جدد مع كل مرحلة؟ وربما كان سؤال أختي امتدادًا لهذا الجدل القديم؛ هل أشتاق فعلًا لمن كنت، أم أقاوم الاعتراف بأنني تغيّرت، وأن هذا التغيّر جزء طبيعي من النضج؟
ما الذي نشتاق إليه فعلًا؟
بعد هذا التأمل، أدركت أنني لا أحنّ إلى نسختي القديمة بمطلقها. فأنا اليوم أكثر وعيًا، وأكثر اتزانًا، وأكثر فهمًا لنفسي. ما أشتاق إليه ليس الماضي بحد ذاته، بل بعض فصوله؛ ذلك الحماس الصافي، وتلك الرغبة الصادقة في التجربة، وتلك الجرأة على التغيير.
إدراك أن التغيير جزء أصيل من الحياة، وأن النمو لا يأتي دون فقدانٍ أو تحوّل، يجعل الحنين أكثر توازنًا. فنحن لا نحتاج أن نعود إلى ذواتنا القديمة، بل أن نسمح لبعض صفاتها الجميلة بأن ترافقنا في الحاضر؛ لا لتسكن مكاننا، بل لتذكّرنا لماذا أحببنا الحياة يومًا ولماذا ما زال بوسعنا أن نحبها من جديد.