أظن أنني مدينة لنفسي، أو لنسخة مني
على الأرجح، بكتابة هذا المقال. فأنا
من المتضررين شخصيًا، إحدى ضحايا
الأشباح الفارين من الذاكرة. فإن كنت
أو كنتِ من المتضررين من علاقات أو
صداقات شبحية، أو حتى كنت أحد تلك
الأشباح يوما ما، فهذا المقال لك.
بداية، ما هو القوستنق أو الشبح؟ :
هو أن يختفي شخص فجأة من حياة شخص آخر
دون أي تفسير. يتوقف الرد، ينقطع
التواصل، تغيب المكالمات، ويختفي
التفاعل، بلا تبرير أو شرح، أو حتى
وداع، أو “كلمة ولو جبر خاطر”.
حتى يخيل وكأن الطرف الآخر لم يكن
موجودًا من الأساس، فيخلق ذلك حالة
قاسية من الذنب والتساؤلات الفكرية
والنفسية لدى الضحية، فيبدأ بمساءلة
نفسه، ويقلّب ضميره يمينًا ويسارًا
بحثًا عن خطأ لم يعرفه، ولم يحظَ بشرف
فهمه، أو تبريره، أو حتى الاعتذار
عنه. وكأنه مدان بجريمة يجهلها ولا
يفهمها، ويُزج به في سجون الظن والفقد
دون تبرير واضح، فلا يجد تفسيرًا ولا
صوتًا، سوى صدى خواء قاسٍ يعيد فتح
المواجع.
ما هي
الأسباب؟
السبب الأهم والجوهري، برأيي، هو
الخوف من المواجهة.
يخاف الشبح من أعباء المواجهة، ويهاب
الوضوح ونضج القرار. وغالبًا ما يرتكز
على أسباب واهية للهجر، تعود إلى عدم
الجدية، أو الخوف من الذات، أو من
فكرة الارتباط والالتزام، أو من عمق
المشاعر وجديتها. وربما، في قرارة
نفسه، يفضل أن يترك ويختفي قبل أن
يُترك.
قد يكون الشبح صاحب تجارب سابقة
مريرة، فيعيد تشكيل الألم بقوالب
مختلفة، ضمن سلسلة غير منتهية من
العذاب الوجداني، بوعي منه أو دون
وعي.
يخاف الشبح اتخاذ الخطوة الأولى، خطوة
الإغلاق. ربما لأنه في داخله يخشى
الندم، فيلتحف الصمت عوضًا عن ذلك،
ويمارس لعبة التأجيل الطويل والاختفاء
المريب، فيُلزم الطرف الآخر باتخاذ
هذا القرار نيابةً عنه. وحين يستيقظ
الضحية من سكرة التوسلات التي قد يقع
فيها بدافع غزارة الشعور، والتعلق،
ومرارة الصدمة، بل وحتى الغضب المبرر،
وما إن يتحلى بالشجاعة بعد كل تلك
المراحل ويغلق الصفحة، حتى يرتاح
الشبح ويتخفف من مأساته، ويقنع نفسه
بأن الآخر هو من لم يتمسك به، ليهدأ
ضميره إذا ما مر طيف الندم الخفي.
رصاصة رحمة
في محاولة لفهم الشبح، ولعب دور محامي
الدفاع عنه، قد يظن أن الوضوح والحسم
في الإنهاء يعمقان الجرح بدل أن
يضمّداه، وأن الكلام سيزيد الطين بلة،
فيختبئ خلف الصمت، زاعمًا أن الجرح
سيشفى أو سينسى.
لكن في امتناعه عن الكلام،
تشتعل نار أخرى، نار باردة، تلتهم
الثقة، وتمتد إلى الثقة بالنفس،
وبالعلاقات، وبالإخلاص، وبالحب بكل
أشكاله. فتتحول تلك “الرصاصة” التي
ظنها رحمة… إلى رصاصة هلاك.
تنتهي القصة بالنسبة للشبح عند
لحظة الصمت، وتبدأ بالنسبة للضحية.
فكنتيجة محتملة، قد يصبح الضحية صاحب
نمط تعلق تجنبي، يخاف القرب خشية
تكرار التجربة، فيترك قبل أن يُترك،
وهو ما يعمق قناعتي بأن الشبح يخلق
أشباحًا يشبهونه.
أو قد يتحول إلى صاحب نمط تعلق قلق،
يحتاج إلى تأكيد مستمر على وجود
الآخرين في حياته، في توسلات حب
يائسة، طفولية أحيانًا، ترق لها
القلوب الداعمة.
وفي كل الأحوال، إن لم يكن الضحية
واعيًا، ولم يتولَّ مسؤولية علاج
نفسه، ويفهم أن الخطأ لا يمسه، بل هو
انعكاس لصراعات الآخر مع نفسه، وتردده
في وضع الفاصلة بدل النقطة، على حساب
الشجاعة وحسن العشرة ووداع يليق
بالقصة، واحترام يليق بالإنسانية،
فسيبقى عالقًا، منكوبًا، ولا أحد
يستطيع إنقاذه سوى عقله.
فالعقل قد يكون حليفك الأقوى،
إن قررت الوثوق به، وبقوتك، وبشجاعتك
في وضع النقطة، وإن صمت عنها الآخر.
فالعلاقات تنتهي بنهاية شريفة،
أبطالها حاضرون في كل الفصول، لا من
ورق أجوف، يتطاير ويختفي مع الريح
الهزيلة.
ماذا عنك أيها
الشبح؟
إن أسوأ ما قد تفعله بالإنسان ليس
قتله، بل تعذيبه بالشك، بالصمت،
وبتجاهل تساؤلاته، وتمزيق شعوره
الصادق.
فإن أردت الدخول في علاقة حب، أو
صداقة، أو غيرها، فادخلها بحضور
ووضوح، واخرج منها بغياب أوضح، ورأس
شامخ، لا مطأطأ ضعيف.
قد يكون الشبح مهندسًا، طبيبًا،
محاميًا، أديبًا، أو أي مسمى آخر. قد
يكون قريبًا، بعيدًا، أو حبيبًا. لكن
ما يجمعهم جميعًا هو غياب النضوج،
وأبجديات الرحمة، والذكاء العاطفي.
شخصيًا، لا أغفر ولا أسامح أشباح
ذاكرتي.
منذ سنوات قررت أن أمحوهم كما قرروا
محو أنفسهم من سجل حياتي. وإن كنت
أختلس النظر إلى الدفاتر بين الفينة
والأخرى، إلا أنني أقول لهم ولكل شبح
اختفى دون أن يكلف نفسه عناء التبرير،
أو الاعتذار المستحق، أو حتى ترك ذكرى
عذبة:
شكرًا… لأنكم جعلتموني أقوى
ماذا عنكم، ماذا تقولون
لاشباح
الذاكرة؟