يُقال إن الميادين رجال الأماكن، وأقول المدن نساؤها. ولأنهن كالنساء، فإن الانطباع الأول يحدد طريقة تعاملهن معك. تمنحك كل مدينة يومين على الأكثر لتشكل انطباعك الأول. إذا ما تفحصت المدينة بعيدًا عن كل ما يُذكر عنها ومراجعات زوارها، وإذا ما تمشيت فيها وكأنك تبحث عن شيء لا تعلمه، لكنك تعلم أنك ستجده، فستتعرف عليها وكأنها شخص عزيز.
يصف كالفينو قراءة المدينة وطرائق التعرف عليها بقول: "المدينة لن تروي لك ماضيها قولًا، لكنك ستجده مخطوطًا فيها كوضوح خطوط الكف. ستجده مكتوبًا في زوايا الشوارع، وفي حواجز النوافذ، وفي درجات السلالم. كل جزء من المدينة يحمل علامات وخدوشًا تخبرك من خلاله عن تاريخها." إذاً، التكوين البصري يشكل الخطوة الأولى لتتعرف على مدينتك.
جرب أن تكوّن خريطة بصرية تجيب فيها عن أسئلة مثل: كيف هي شوارعها؟ ما المواد المستخدمة؟ كيف هو شكل تكتلات مبانيها؟ لون سمائها، وكيف يتضارب مع ألوان المدينة؟ كم طابقًا ترتفع مبانيها؟ كيف تتداخل الأشجار وتتقاطع الأنهار معها؟ أي الحيوانات تلاحظ فيها؟ ثم أرخِ سمعك وركّز على أصوات حركة السير، الأذان، أجراس الكنائس، وصراخ الباعة المتجولين. مدينة كالقاهرة مثلا أخذت مني أيامًا لكي استوعبها جملة. تفاصيل لا تنتهي في كل حي من أحيائها ترسخت في ذاكرتي وارتبطت بعلاقتي معها، منها أشجار الزمالك التي تحارب ضباب نهر النيل، وضوضاء أزقة الحدادين التي تسبق وصولنا لسكينة بيت السحيمي.
كل هذه العملية بطيئة نوعًا ما وتختلف من مدينة لأخرى، ولن تتوافق مع محبي سباق قوائم الوجهات والمعالم السياحية. باتباع طريقة قراءة المدينة باستخدام الحواس ومع مرور يوم أو اثنين "...ستشعر بالمدن كما تشعر بالأشخاص، بأحلامهن وتطلعاتهن، وبعيوبهن أيضًا، وذكرياتهن وماضيهن" كما يصف أحد شخصيات كالفينو مقارنًا بين المدن والبشر. من ناحية أخرى، فالمدينة تتعرف عليك خلال هذا الوقت وتراقب ردود أفعالك، وتلاحظ حركاتك، حتى في اختياراتك للأماكن التي تزورها! وفي حال كنت جديرًا بالتعرف عليها، فسترسل لك دعوة.