أتساءل دومًا: هل يُمكن للمسافر الوحداني أن يشعر ببعض الوحشة، بالذات إن كان مسافرًا خارج (ديرته)؟ عندما بحثت جاءتني الإجابة: أحيانًا، فوفقًا لمقالة قرأتها في فوربس، فإن حتى أكثر المسافرين الوحدانيين حماسة يمكن أن تتسلل إليهم مشاعر الوحدة في العديد من المواقف، مثل تجربة تتمنى فجأة لو أن هناك من شاركك فيها؛ تخيل أن ترى مشهدًا خلابًا، كأن تشاهد شروق الشمس فوق جبل شاهق، وتتمنى لو كان هناك من يشاركك تلك اللحظة الساحرة. هذا الشعور بالاشتياق إلى وجود شخص قريب منك، هو شعور إنساني طبيعي، فوفقًا لعلم النفس الإيجابي، عندما نشارك شيئًا رائعًا نأكله أو نستمتع به مع الآخرين، فإن ذلك يزيد شعورنا بالسعادة والبهجة، لكن عندما نسافر وحدنا، يصعب علينا المشاركة، لأن أشخاصنا المقربين في تلك اللحظة، غير قريبين، ما يجعل بعضنا يشعر بوطأة الوحدة.
لحسن الحظ، تُمرر المقالة طرقًا للتعامل مع نوبات الوحدة التي قد تُصيبك فجأة وأنت مسافر، بعدما تحمست للسفر وحدك، أولها أن تتقبل الشعور بالوحدة، وأن لا تحزن منه، فهو عادي وطبيعي، وثانيها أن تُشارك ببساطة؛ هم ليسوا معك في نفس المدينة، لكن هناك تطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة ومكالمات الفيديو والصور التي ستجعلك تنقل لهم الصور مباشرة، وتسمع ردات أفعالهم عليها مباشرة، أيضًا جرب شراء بعض البطاقات التي تحتوي على أحد جانبيها صورة للمدينة التي تنزل فيها وأكتب لأحبائك في الجزء الخلفي المخصص للكتابة وتقديمها لهم مع هدية تذكارية بسيطة فور وصولك، قد تفيد هذه الفكرة في شعورك بوجودهم الحقيقي في حياتك، قد يُفيدك الاشتراك في أنشطة اجتماعية مثل دورة يوم واحد لتعليم الطبخ، والتي قد ينتج عنها صداقة تمتد طوال العمر، وتجربة رائعة بعين أخرى، ولو كان من أهل المدينة؛ قد تتعرف معه على خبايا المدينة وحكاياتها، صحيح أن مشاعر الوحدة في السفر مُزعجة، إلا أنها يمكن أن تكون حافزًا قويًا لاكتشاف الذات والتواصل مع العالم من حولنا. ففي لحظات الوحدة، نجد أنفسنا نبحث عن طرق جديدة للتواصل مع الآخرين، ونكتشف جوانب خفية من شخصيتنا، وهذه مغامرة قد لا تسنح لنا لو أننا لم نُجرب السفر المنفرد. في السفر المنفرد أنت دومًا تتعرف إلى نفسك، وكم ستُحبها بعد هذه التجربة.
ودعني أُمرر لك تجربتي في التعامل مع الوحدة في السفر، ولو أن معظم سفري إلى القاهرة التي تبعد ثلاث ساعات بالسيارة عن الإسكندرية، لكني دربت نفسي على عدم الانزعاج من الشعور بالوحدة، بل استشعار قيمة وجود عائلتي والمقربين مني في حياتي، وأن أبدأ أنا الأحاديث العفوية بأسئلة بسيطة لكنها تفتح احتمالات لإجابات واعدة؛ مثل سؤال موظفة استقبال الفندق عن أفضل مطعم قريب، أو مكان تُرشحه للزيارة، وعندما التقط صورة للقهوة التي أشربها، أو للمكتبة التي أزورها، أو للموقع الأثري الذي أنا فيه، أو حتى لغرفتي التي أبيت فيها، وأرسل الصورة مع مشاعري بشكل بسيط وعفوي لعائلتي وصديقاتي، ومع ردودهم عليّ التي تطلب مني الاستمتاع وتُمرر لي شعورهم بافتقادي، تتبدد الوحدة تمامًا، بل إن التجربة كلها تتلون، فالوحدة شعور داخلي وحالة ذهنية قبل أي شيء، فقد يُباغتك شعور الوحدة وأنت مُحاط بالبشر، فيما قد يأتيك الأُنس بمجرد فكرة، تمرك وأنت في بيتٍ لا يسكنه غيرك، ولهذا فإن قدرتك على الاستئناس بالمدينة، وبانفرادك الذاتي، ربما هي علامة على امتلاء داخلك بنفسك وأحلامك وبما وبمن تُحب، وأنك لست (نفسية)، ولا أنت متوحد؛ أنت فقط تستمتع ببعض الوحدة.
نصيحتي لك: سافر لوحدك لتتعرف عليك ولترى الدنيا بعينك أنت وبحسب مُخططاتك أنت، وشارك الأصدقاء والعائلة وأصدقاء مواقع التواصل الاجتماعي صورك وأنت تستكشف واجعلهم جزءًا من رحلتك، حتى ولو كانوا بعيدين؛ فرسائلك إليهم ومشاركاتك تعكس روحًا جميلة في روحك، ربما لم تكن تعرف أنت بوجودها، وقدرة لم تكن تراها فيك؛ قدرة على تحويل اللحظات العادية إلى ذكريات لا تُنسى، وردودهم عليك ستكشف نظرتهم إليك، وكم أنت رائع ومحبوب في عيونهم. كل صورة تُشاركها، وكل كلمة تكتبها، هي احتمال لذكرى تعود إليها وأنت تتصفح رسائلك وصندوق بريدك، وابتسامة مستقبلية ترتسم على مُحياك وأنت تسترجع التجربة كلها.