متى كانت آخر مرة استمعتَ فيها للآخر بصدق، دون أن تفكر في الردّ، أو تستعجل في الحكم، أو تمسك هاتفك باستمرار؟ ومتى كانت آخر مرة شعرت بأن أحدهم استمع إليك بالفعل؟ استمع إلى صمتك قبل كلماتك، وفهم نظرتك قبل اعترافك، وقرأ نبرتك قبل أن تبرّر .
في هذا الزمن السريع، غاب الصوت، وكبر الصمت، ليس لأننا لا نستطيع الكلام، بل لأنه لا أحد الآن ينتبه. نتحدّث مجاملة، ونسمع من دون صبر، والنتيجة هي المزيد من الوحدة، وليس هناك خطورة يواجهها الإنسان أكثر من أن يعيش ولا يتكلم، وإن تكلم لا يُسمَع.
في استطلاع أُجري عام 2018 وشمل 20 ألف مواطن أمريكي، أفاد نصف المشاركين تقريبًا أنهم لا يجرون تفاعلات اجتماعية شخصية ذات معنى بشكل يومي. وهذه حقيقة مؤلمة، في زمنٍ يُفترض أنه الأكثر انفتاحًا وتواصلاً في التاريخ.
شخصيات افتراضية
لمحاولة تحقيق هذه الغاية، ليس من المستغرب أن تتحوّل علاقتنا مع التقنية إلى علاقة شبه بشرية، وليست علاقة طبيعية بين إنسان وآلة. أصبحت هذه النماذج بديلًا متاحًا للإنسان؛ فهي الآن مكان محمد المشغول طوال الوقت، وغادة التي تعاني من ظرف صحّي، والطبيب المعروف بمواعيده الطويلة. تحوّل “شات جي بي تي”، على سبيل المثال، من نموذج حاسوبي إلى صديق يتفهّم، وطبيب يسمع، وحبيب يُنصِت، ومستشار لا يقاطع أو يحكم. استبدلت شخصياته الافتراضية: -“الطبيبة النفسية سارة”، أو الفيلسوف “ريتشارد” أو الحكيم “سلمان”- الإنسان الذي تخشى أن يحكم عليك في لحظة ضعف، أو الغريب الذي تخشى ألّا يفهمك.
لكن هل تلك الشخصيات تفهم ما الذي نقصده بالفعل؟ وهل هي بديل مناسب للإنسان؟ الجواب قطعًا هو لا. مهما تعقدت الآلة، وأبهَرت، فإنها لن تفهم الملامح التائهة، ولا سبب الصمت الطويل، ولا النظرة الحزينة.
تناغم الأدمغة
بحسب الأبحاث، حينما تستمع بعمق للآخر، فإن موجات دماغك تبدأ بالتزامن مع موجات دماغ المتحدث. في تجربة أجراها عالم الأعصاب يوري حسون في جامعة برينستون، استمع المشاركون إلى قصة يرويها أحدهم، وأظهرت صور الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن نشاط أدمغة المستمعين بدأ يتزامن مع نشاط دماغ المتحدث. هذا الاقتران العصبي أصبح دليل مادي على أن التواصل حدث بيولوجي عصبي قابل للقياس.
يشير هذا الاكتشاف أنه بغض النظر عن مدى تقدمنا تكنولوجيًا، يبقى التواصل تجربة بيولوجية ملموسة، واندماج حقيقي بين عقلين. لذلك، ليس غريبًا أن يصف عالم النفس دانيال كانيمان شراكته المؤثرة مع آموس تفريسكي التي غيرت علم الاقتصاد السلوكي، بهذه الكلمات البليغة: “كنا نتشارك عقلًا واحدًا.”
مفارقة القُرب
يختصر الكاتب الفرنسي أندريه موروا الفضول الحي، والاندماج الحي بين اثنين أو شريكين بعبارة جميلة، بقوله: “الزواج السعيد هو محادثة طويلة تبدو دائمًا قصيرة جدًا”. لكن ماذا لو استمع أحدهم للآخر، وتوقّع حديثه قبل أن يعبّر، وافترض بقصد أو من دون قصد، أن الاستماع لم يعد ضرورة. هنا تكمن المفارقة: نحن غالبًا ما نكون أسوأ المستمعين مع الأشخاص الذين نحبهم أكثر. يُعرف هذا الميل بـ”انحياز التواصل بسبب القرب” (closeness-communication bias).
يفشل التزامن العصبي بالرغم من كونه أساس التواصل، للإننا اختزلنا الإنسان وتناقضاته في قصّة قديمة، ومفهوم واحد. الإنسان نفسه الذي أمسُه لا يشبه يومه، ويومه لا يشبه غده، وكل لحظاته هي لحظات جديدة.
في تجربة أجراها باحثون في كلية ويليامز وجامعة شيكاغو، حين طُلب من المشاركين تخمين المعنى المقصود لعبارات غامضة قالها شركاؤهم، بالغوا في تقدير قدرتهم على فهم أزواجهم؛ فلم يكن أداؤهم أفضل من الغرباء، بل كان أسوأ أحيانًا. أدت حالة الألفة والقرب الدائم كالزواج الطويل، والصداقات القديمة إلى اليقين الخاطئ، وشح الشعور، واختفاء الدهشة، وموت الفضول. لتتحوّل الشراكة إلى تعاسة، والقرب إلى بُعد مؤلم.
تهديد وجودي
أحيانًا، لا يكون عدم استماعنا دليلًا على اللامبالاة، ولا لأننا نعتقد أننا نعرف الآخر أكثر مما يعرف نفسه؛ إنما لأننا نخشى أن نسمع شيئًا يهدّد شيئ ما بداخلنا؛ فكرة قديمة، شعور معيّن، أو قناعة صلبة. على المستوى البيولوجي أظهر علم الأعصاب أنه عندما يتم تحدي معتقداتنا، تنشط اللوزة الدماغية وكأننا نواجه خطرًا وجوديًا، كما لو كنا نهرب من دبّ جائع، لا من فكرة جديدة.
هذه الاستجابة الاندفاعية قد تفسّر سبب تجنّبنا الكثير من المحادثات الصعبة. فهي لا تقتصر على النقاشات الكبرى أو الجدالات الفكرية الفلسفية العميقة، بل تمتد إلى تفاصيلنا اليومية، حيث تتحوّل أبسط الحوارات إلى معارك صغيرة بدلًا من فرص للتواصل. لنفقد نعمة النمو بتحدي الفكرة، والتعلّم بشجاعة الاستغناء عن مفهوم.
وقد لخّص عالم النفس كارل روجرز هذه الفكرة بقوله: “بينما ما زلت أكره إعادة ضبط تفكيري، وما زلت أكره التخلي عن الطرق القديمة للإدراك ووضع المفاهيم، إلا أنني على مستوى أعمق، أدركت إلى حد كبير أن عمليات إعادة التنظيم المؤلمة هذه هي ما يُعرف بالتعلم.”
الاستماع سلاح سرّي
ونظرًا للقيمة العالية لهذه المهارة، فقد أدركت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) أن الاستماع ليس مجرد مهارة ناعمة، بل سلاح حقيقي في الميدان. لذلك، لم تعد تدرّب عملاءها على أن يصبحوا مستمعين جيدين، بل بدأت تجنّد المستمعين الجيدين ليصبحوا عملاء.
يؤكد الدكتور باري مكمانوس، الذي شغل منصب كبير المحققين في الوكالة لمدة 26 عامًا، أن جمع المعلومات الاستخبراتية الحسّاسة لا يعتمد على الترهيب أو الضغط، بل على القدرة على الاستماع بعمق. فخلال مسيرته الطويلة، أجرى مقابلات مع إرهابيين، وصانعي قنابل، وخونة، ومشتبه بهم في أكثر من 140 دولة، وكانت حياة العديد من الأشخاص تتوقف على مدى إتقانه لهذه المهارة العظيمة.
كيف نسمع؟
في أي حوار، هناك نوعان من الاستجابات: إما أن نحوّل الحوار أو نُدعّمه. يصف عالم الاجتماع تشارلز ديربر هذه الاستجابات بـ: الاستجابة الداعمة والاستجابة التحويلية والتي تعتبر شكلًا من أشكال “النرجسية الحوارية”. وهي عبارة عن استجابة غريزية للدفاع عن “الأنا”، حيث تحوّل الانتباه بعيدًا عن المتحدث وتعيده إليك. وتقول على سبيل المثال: “حتى أنا صار لي كذا” “حتى أنا تعبت” “حتى أنا فزت مثلك”.
أما الاستجابة الداعمة، في المقابل العكس تمامًا، هي فعل واعٍ يتجاوز الأنا ويشجع الشخص أمامك على الكلام أكثر، مدعومًا بأسئلتك الفضولية، وانتباهك الكامل، حتى لو كانت قصتك تشبه قصته، وظرفك يشبه ظرفه تمامًا.
لعلّ أفضل مثال على قوة هذا النوع من الإنصات هو ما روته راندولف تشرشل، والدة ونستون تشرشل، في مذكراتها، عندما جلست على مائدة العشاء مرتين في مناسبتين مختلفتين؛ إحداهما إلى جوار السياسي البريطاني ويليام غلادستون، والأخرى إلى جوار خصمه بنجامين دزرائيلي، وقالت تصف تلك التجربة بعبارتها الشهيرة: “حين غادرت الطاولة بعد الجلوس إلى جانب غلادستون، ظننت أنه أذكى رجل في إنجلترا. لكن بعد جلوسي إلى جانب دزرائيلي، شعرت أنني أذكى امرأة.”
ختامًا، طالما اعتدنا أن نسمع كل شيء، في الحياة -موسيقى بيتهوفن، البحر، والعصافير- إلاّ أن نسمع الإنسان، بالرغم أن الإنسان أكثر أهميّة من العصفور، وبتهوفن، والبحر. ما يمّيز الطبيب النفسي الجيّد، والأب الحكيم، والصديق المريح، هو قدرتهم على الاستماع. الاستماع الذي يسمح للآخر أن يعود إلى طبيعته بهدوء، أن يعترف بضعفه دون خوف، ويشاركه ظله من دون خجل، ومشكلته من دون حُكم، ودموعه بحريّة.
في عام 1935، أسدى إرنست همنغواي نصيحة ثمينة للكتّاب الشباب، قال فيها: “عندما يتحدّث الناس، استمع بتركيزٍ كامل. معظم الناس لا يستمعون أبدًا.” وربما لم تكن تلك النصيحة مخصّصة للكتّاب فقط، بل لي أيضًا، ولك.


