في غمرة الحياة، ومع إيقاعها المتسارع، قد ننسى أو نتناسى أن نتفقد أحوال من نحب. ننهمك بأنفسنا، بأيامنا المتراكمة،وبمعاركنا الصغيرة والكبيرة، بينما تكون الحياة قد باغتت غيرنا بتقلباتها، وقذفتهم بعيدًا عن شواطئ الأمان؛ إلى الحاجة أو العوز، إلى الاكتئاب واليأس، أو إلى قيعان شعورية أخرى، من غير أن نلتفت، أو ندرك، أو نعرف عن حالهم شيئًا.
وليس السبب أنهم لا يستحقون السؤال، بل لأن الإيقاع السريع للحياة يقنعنا على نحو خادع أن الجميع بخير كأصل عام، ماداموا صامتين، ومن هنا يتشكّل أول سوء فهم.
وهم الاطمئنان الكاذب
نخطئ حين نربط السلامة بالصمت، وحين نُسقِط عن أنفسنا مسؤولية السؤال بدعوى أن الآخر بخير. كأن التعفف عن الشكوى دليل العافية، وكأن الثبات الظاهري علامة اكتفاء. ويزداد هذا الوهم حين نرى الآخرين يعرضون مقتطفات من يومياتهم على وسائل التواصل الاجتماعي؛ صورة، أو ابتسامة، أو جملة عابرة، فنختزل أحوالهم في هذا الظهور السريع، ونتوهم أنه كافٍ ليؤكد أنهم بخير، لكن الواقع لا يكون بهذه البساطة.
فالحقيقة، أبسط وأقسى في آنٍ واحد:
كثيرون يتألمون في صمت، لا لأنهم أقوياء، بل لأنهم اعتادوا ألّايثقلوا على أحد،
وآخرون يأخذهم الكبرياء، فيؤجلون الاعتراف بالحاجة إلى مالا نهاية.
ما الذي لا يُقال؟
عند هذه النقطة، لا يعود السؤال مجرّد مجاملة اجتماعية، ولاعبارة تقال بدافع الذوق أو اللياقة، بل يصبح فعلًا إنسانيًا خالصًا.
ومن هنا ينطلق هذا النص.
ليس من كليشيهات جاهزة، ولا من تواصل عابر، بل من قناعة هادئة بأن القلوب، في لحظات الصدق، تشعر ببعضها قبل أن تتحدث، وأن الحدس يسبق الكلمات، ويلتقط ما لا يُقال، ومايختبئ خلف عبارة مألوفة مثل: «أنا بخير».
فالروح لا تخطئ طريق الروح، حتى إن أخطأت اللغة، وحتى إن تأخر السؤال، وتفرّقت الطرق، وزادت الانشغالات.
الحاجة التي نتشابه فيها
وربما لهذا السبب تحديدًا، يحتاج الإنسان مهما بدا متماسكًا،ومهما أتقن إخفاء ضعفه إلى قدر ثابت من الطمأنينة. لا إلى شفقة، ولا إلى حلول جاهزة مُعلّبة، بل إلى حضور صادق،وإلى تذكير بسيط بأن هناك من يراه، ومن ينتبه لارتباكه، ومن يقف إلى جانبه بدافع الحب، لا الواجب.
نحتاج إلى من لا يتغير بتغير الظروف، ولا يختفي حين تثقل الأيام، مهما كثرت الانشغالات. وحتى في لحظات الفرح،نحتاج من يشاركنا الفرح بصدق، ليكتمل معناه ويستقر.
لكن هذه الحاجة، في كثير من الأحيان، لا تتطلب جهدًا كبيرًا.
حين يكفي شخص واحد
في سنتي الجامعية الثانية، مررت بمرحلة خرجت منها بشقّ الأنفس. كنت أعاني من الاكتئاب، وأميل إلى العزلة. أنهي اختباراتي، وأعود إلى غرفتي، وأختار النوم الطويل، محاولةًالهروب من الواقع بأقل الخسائر.
في تلك المرحلة، ما أحدث الفرق لم يكن خطابًا طويلًا، ولا تدخلًا مباشرًا، بل اتصالًا عابرًا من صديقة مقربة في أستراليا. حديث بسيط، وتحدٍّ صريح، ومراهنة واضحة على قدرتي على المواجهة. كلماتها لم تنقذني بالمعنى الدرامي، لكنها أعادتني خطوة واحدة إلى الأمام، وجعلتني أتحمل مسؤوليتي تجاه نفسي، لا بالبكاء على ما فات، بل بالاستمرار رغم الألم.
ومن هنا أدركت معنى الدور الصغير… الذي يكون كبيرًا في توقيته.
الأدوار التي تُنقذ بصمت
أن يعرف الإنسان أن هناك صديقًا لا يزال فخورًا به رغم مشقة الطريق، أو حبيبًا يتقبله في كل أطواره لا في أجملها فقط، أوأبًا يخفف عنه وطأة الوحشة، أو أمًا تؤمن به حتى حين يشك هو بنفسه.
قد لا تتوفر هذه الأدوار كلها في حياة كل إنسان، لكن كثيرًا ما يكفي أن يقوم شخص واحد بالدور الصحيح،
في اللحظة المناسبة.
هكذا يأخذ الحب أشكالًا متعددة، لا تُقاس بحجمها، بل بصدقها. قد يكون سؤالًا مفاجئًا، أو رسالة قصيرة في وقت غير متوقع، أو لفتة بلا مناسبة واضحة. لا لتبرير غياب، ولا لرد جميل، بل فقط لتذكير الإنسان بأنه حاضر في حياة أحدهم.
وربما لا يغيّر السؤال كل شيء، لكنه أحيانًا يمنع الانكسار الكامل.