حين يتقدم قطار العمر، يبقى المتردد أسير عتبة القطار. لا يودّع، ولا يستقبل، إنما يراقب… وربما بحسرة.
فيكبل نفسه بأفكاره، وتصوراته، ومخاوفه، ويفوّت على نفسه غمار الحياة بتجاربها المختلفة؛ بثقل فشلها، وخلاصة ما يمكن التعلم منها.
يفوته سفر جديد يضيف إلى رصيده الثقافي والشخصي، وعرض عمل أو مشروع يضيف إلى خبرته خبرات، وارتباط وحب محتمل يدعو إلى الهيام في روعته، والارتقاء، والاستقرار، أو حتى دروس ترفعه إلى مستوى أعمق من النضوج.
فحين تطيل الوقوف بين “إما أو”، بين الإحجام أو الإقدام، بين البدء أو الانتهاء، تتسلل الفرص من بين يديك بهدوء، لتذهب إلى أولئك الأحق بها؛ الجازمين في اتخاذ الخطوات، المقبلين على الحياة وتجاربها ودروسها المختلفة.
ولست هنا أدعو إلى اختيار المسار الآخر دائمًا. فالتردد أحيانًا، والتريث، حق إنساني مشروع، وفيه من الحكمة الشيء الكثير. لكن كثرة التردد لا تدل إلا على هشاشة نفسية، ونضوج غير مكتمل، وعدم إدراك كافٍ للذات: رغباتها، تفضيلاتها، طموحها… إلخ.
ماذا تفعل حين تصادف المترددين؟
شخصيًا، لطالما واجهت المترددين في حياتي، ولا زلت– للأسف- ولا أدّعي أنني الأكثر جزمًا أو حزمًا في اتخاذ قراراتي، لكنني أعرف ما أريده: إما أن آخذه، أو أرفضه.
وعلى النقيض، كثيرًا ما تجمعنا الحياة بمن يختلفون عنا في الطباع، فنقف في المنتصف بانتظار هذه الفرصة أو تلك، لنكتشف أن وقت حياتنا بدأ يتآكل على حساب رصيد عمر يمضي.
المتردد لا يفتقد الشعور، بقدر ما يفتقد الجرأة على تحمّل تبعاته. يقترب بما يكفي ليُبقي الأمور معلّقة،
ويبتعد بما يكفي ليبقى بلا التزام. وذلك هو لبّ عدم النضوج.
عند هذه النقطة، قد نضطر إلى إقفال الباب والمضي قدمًا، كحل لا يحتمل كثرة التأجيل.
وإن كان عليّ أن أزجر قلبي وآمالي، فليس قسوة بالضرورة، بل هو إدراك بأن المتردد يبقى أسير العتبة؛
يؤخرك، يشلك، ويصيبك بعدوى طبعه… شئت أم أبيت.
فالانتظار معهم، أو محاولة تغييرهم، ليست في الغالب سوى محاولات بالية، محكومة بأن تكون قضية خاسرة لا تستحق النضال من أجلها.
هل يتغير المتردد؟
من خلاصة تجاربي الشخصية بميادين الحياة المُختلفه : لا
لكنني، رغم ذلك، على إيمان تام بأن كل طبع قابل للتهذيب والتغيير. ويرى النفسانيون وخبراء الوعي أن الإنسان قادر على تغيير صفاته وعاداته خلال 21 يومًا، لكن يسبق ذلك شرط واحد: القرار، والرغبة الحقيقية.
وهنا يكمن السؤال: هل المتردد قادر على اتخاذه من الأساس؟
المتردد يعيش في صندوق داخل صندوق من التردد، يعلك الفكرة ويقلبها على مضض، غير عابئ بتقدم الأيام، والأشهر، والفصول، وجموع السنين.
لطالما احتملت الحياة المتناقضات: الأفراح والأتراح، الخسارة والفوز، الخيبة والجبر…
تقول أم كلثوم:“سوف تلهو بنا الحياة وتسخر، فتعال أحبك الآن أكثر”. وتكمن الروعة كلها في أن تعيش ذلك كله وتنغمس فيه، حتى إذا ذهبت إلى مثواك الأخير، وجدت أن كتاب حياتك مليء بالفصول، والتجارب، والقصص، والمشاعر الحقة. لا أنصافها، ولا ظلالها البعيدة، ولا بداياتها المرتبكة.
عندها فقط تقول بجدارة إنك عشت، ولم تقف وقفة المتفرج على الأشياء وهي تفوتك وتتسرب بعيدًا عن ناظريك.
سؤالي هنا للمتردد: ألم يحن الأوان للاختيار… للفصل أخيرًا؟ حتى وإن كلفك القرار الخاطئ مالًا، أو عاطفة، أو فرصًا ضائعة، ألا تكفيك شجاعة الاختيار؟ وعمق التجربة؟ وأبلغ الدروس التي سترتديها كنيشان فخر؟
أنت تريد… وتريد حقًا، في عمقك. فواجه ترددك، واقتل أشباح الإفراط في التفكير.