العزلة – كما يصفها دوستويفسكي – هي تلك الزاوية الصغيرة التي يقف فيها المرء أمام عقله، ويفرق الفيلسوف الألماني بول تيليش بين الوحدة والعزلة بقوله: إن الوحدة هي تعبير عن الألم الناتج من كونك وحيداً، أما العزلة فهي للتعبير عن روعة أن تكون وحيداً. فكيف يمكن للعزلة أن تمنحنا اتصالاً عميقاً بذواتنا، وقوة في الفكر واحتمال الفراغ، وخصوصية وتفرّداً في الطرح، وعاملاً محفزاً للإبداع وخلق الأفكار؟
تضعنا العزلة في حالة اتصال عميق مع ذواتنا؛ فهي من أهم عوامل الصفاء والتركيز. وقد لجأ إليها كبار المفكرين والأدباء؛ فكتب فيكتور هوغو رواية "البؤساء" في عزلته، وألّف أبو حامد الغزالي" إحياء علوم الدين" في خلوته، وهرب دوستويفسكي من جحيم منفاه في سيبيريا إلى حمى نفسه. وبلغ المعرّيفي ثنائه على العزلة مبلغاً عظيماً حدّ التطرف، فقال: "في الوحدة الراحة العظمى فآخِ بها"، وطلبها حياً وميتاً، فتمنى ألا يشهد الحشر مع الناس.
وتناول ابن طفيل هذا المفهوم في قصة حي بن يقظان، حيث دفعت العزلة"حي" – الذي لم يكن له أي اتصال ببني جنسه، وقد ربّته غزالة – إلى البحث عن خالق هذا الكون ومدبّر شؤونه، حتى توصّل إلى المعرفة انطلاقاً من ذاته. ولما اتصل "حي" لاحقاً بالبشر وتعلّم لغتهم وسعى للاندماج معهم، أدرك ما في حياتهم من فساد، فعاد إلى الغابة من جديد. وبذلك يخلق لعزلته معنى؛ إذ كما يقول عالم الاجتماع الألماني جورج زيمل: لا يمكن أن تتحقق العزلة إلا بوجود مجتمع نعتزله.
من هو أجدر بالعزلة من المبدع؟
في العزلة تولد الأفكار العظيمة، ويقودنا هذا الاستنتاج إلى التأمل في أهميتها بالنسبة للمبدع؛ فبينما يتحدث الكثيرون عن ضرورة التغذية والاطلاع المستمر، نادراً ما يلتفتون إلى أثر العزلة في جودة المنتج الإبداعي. وهذا ما دفع الشاعر العراقي عبدالقادر الجنابي إلى التساؤل: من هو أجدر بالعزلة من الشاعر؟ مؤكداً فاعليتها في خلق حالة شعورية خاصة. واليوم أقول: من هو أجدر بالعزلة من المبدع؟ فلا يمكن للإبداع أن يولد وسط دوامة المشتتات والمدخلات غير المترابطة، ولا تحت ضغط الفيض المستمر لشبكات التواصل الاجتماعي.
ولأن الاختلاف جوهر الفكر المبدع، فإن العملية الإبداعية تتطلب استقلالاً عن الفكر الجمعي، وابتعاداً دورياً عن الأنماط المحيطة، وتخفيفاً واعياً للاستهلاك، بما يسهم في إنتاج محتوى نوعي يرتكز جزء كبير منه على الإلهام الداخلي للمبدع.
وقد ذكرت الطبيبة النفسية جريفين أن الانغماس في كمّ لا نهاية له من المقاطع القصيرة يمكن أن يؤدي إلى مشكلات في الانتباه والتركيز والذاكرة قصيرة المدى، وهو أسوأ ما قد يتعرض له المبدع؛ لأنه في أمسّ الحاجة إلى حضوره الذهني واتقاده. وتمنحه تلك اللحظات من الانفصال الواعي والعزلة الاختيارية ليس فقط القدرة على التقاط الأفكار، بل وصناعتها أيضاً.
العالم حين يتجلّى داخل عزلة صاخبة جداً
لم تكن العزلة حكراً على فعل الكتابة وحده؛ فقد شكّلت عبر التاريخ محرّكاً خفياً لأفكار كبار العلماء، مثل إسحاق نيوتن الذي وجد في ابتعاده عن العالم مساحة لولادة أبرز اكتشافاته. وهي العزلة نفسها التي توقّف عندها العقّاد في كتابه "أنا"؛ حين أشار إلى أن نجاح الإنجليز في استعمار أمريكا الشمالية – مقابل إخفاق الفرنسيين – يعود، من بين أسباب أخرى، إلى قدرة الإنجليز على احتمال العزلة وتقبّل الوحدة، في حين لا يطيقها الفرنسي بطبيعته.
وهذا يقود إلى أن العزلة قوة تملأ روح المنعزل، وتمنحه احتمالاً وقدرة على الغوص في أعماق نفسه وتحمل عبء الفراغ.
وتتجلّى هذه القوة في زمننا المعاصر أيضاً؛ فالعزلة كانت، كما أسلفنا، واحدة من أهم البواعث التي حرّكت الأدباء نحو الكتابة. ويبرز من بينهم الروائي اللبناني ربيع جابر، المعروف بغزارة إنتاجه ولغته عالية الحساسية كما وصفتها لجنة تحكيم البوكر، وهو أول لبناني ينال الجائزة في سن الأربعين. يفضّل جابر أن يطوف أبطال رواياته بيروت والعالم بدلاً عنه، بينما يختار هو أن يكرّس جلَّ وقته لقراءاته وإنتاجه الأدبي وعمله الصحفي داخل عزلة صاخبة جداً.
العزلة كانت – ولا تزال – تجربة معقدة تنطوي على تناقضات؛ فقد تكون سلبية ومؤثرة على الصحة النفسية إذا استمرت طويلاً، لكنها قد تتحول إلى فرصة للإبداع إذا كانت اختيارية ومحدودة. ولأنه – كما يقول العلماء – لكل قاعدة شواذ، فقد ترك المعرّي، وهو رهين المحبسين: محبس العمى ومحبس وحدته، أثراً ضخماً في الأدب العربي حتى تحول إلى ظاهرة في تاريخ الثقافة.
ومع ذلك، لا أقصد تمجيد العزلة لذاتها، بل إدراك أثرها. فنحن اليوم، وفي ظل الزخم الرقمي المتزايد، قد نقع فيما يُسمّى "مفارقة العزلة ووهم الاتصال"، حيث نفقد جزءاً كبيراً من جودة التفاعل الإنساني والحضوراللحظي، وتتراجع قدرتنا على الانتباه.
شاركنا تعليك من هنا