لم تكن الإنسانية يومًا بمنأى عن سؤال المعنى؛ فمنذ القدم والإنسان مشغولٌ في سعيه لفهم ما حوله. بحث في أسرار الطبيعة، وتأمّل في الكائنات الحيّة، وغاص في ذاته وجسده ووجوده. اكتشف أشياء وغابت عنه أخرى، بل كثيرًا ما انشغل بالمعنى، ثم غفل عنه، ثم عاد إليه باحثًا. وإذا به، كلما أمسك بشيء من فتات المعاني، يتطلّع إلى ما وراءها، باحثًا عن معنى يُبرّر وجودها وتبعثرها. بل إنني – كما الكثيرين – أبحث عن المعنى الذي يدفعني أصلًا إلى البحث عن “بحثي” عن المعنى!
يرى سارتر أن الإنسان يصنع جوهره بيديه؛ إنه يصمّم ماهيته ويخترع نفسه على نحو حرّ ومسؤول. بينما يرى فيكتور فرانكل، في كتابه “الإنسان يبحث عن المعنى”، أن المعنى لا يُخترع، بل يُكتشف – إنه هناك، ينتظر من يراه ويحتضنه.
عن المعنى أتحدّث
في أحد الأيام، التقيت رجلًا في مكان عام. كان هو المتحدّث، وأنا المستمع – وهذا نادر الحدوث بالنسبة لي. كان مختلفًا عمّن اعتدت لقاءهم في مثل هذه الأماكن، إذ بادر إلى الحديث بصدق عارٍ ووجه مفتوح. قال إنه اعتاد أن يفتح قلبه للناس، وكنت قد بدأت أُدرك صدق قوله. كثيرًا ما وضع يديه على رأسه أثناء الحديث، ثم يرفع رأسه إلى السقف كمن يفتّش عن فكرة بين الشقوق، أو ينقر على هاتفه بلا هدف، ثم قال:
“تدري إننا نعيش بعصر ما نركّز فيه على شيء؟ لا ندقّق، لا نلاحظ. حتى وحنا نمشي، عقولنا في جوّالاتنا! كأننا فقدنا شي كبير كان موجود قبل… بس ما أدري وش هو!”
سكنتُ برهةً، ثم منحتُه أذني وسكينة حضوري. انفجر حديثه كمن يفرغ حديثًا يودّ أن يُنصت إليه أحد لا يعتبره ترفًا: عن حياته، عن وظيفته التي طُرد منها، عن غرقه حينما كان طفلًا، عن تجارته التي فشلت، عن خيباته المتراكمة. لكنه – دون أن يدري – كان كل مرة يعود إلى جوهرٍ واحد: فقدان المعنى.
بمرور الوقت، نشأت بيننا علاقة فريدة؛ صداقة لم تَخضع لكثيرٍ من التكلّف أو العتب. وصفها بأنها من النوع الذي “يريّحك وتتكلم فيه بدون حساب”. حاولت أن أفهم عمق ما يمرّ به، وسعيت – بقدر ما أستطيع – أن أزرع في حديثنا إشارات صغيرة تقوده نحو ذلك المعنى الغائب عنه.
ثم ذات مساء، اتّصل بي وهو في نبرة مختلفة: حديثه صار أكثر اتزانًا، وأخبرني أنه قرأ كتبًا عن المعنى، وأنه اكتشف كم كان في أمسّ الحاجة إليه. وقال لي جملة ظلّت ترنّ في أذني:
“أعمق معنى في الحياة؟ إنك ما تحتاج أحد… وإنك بصحتك، وعافيتك، وحامد لله.”
معنى متكرر ومتحوّل
كان في جوهر هذا الإنسان طاقة بحث لا تفتر. قال لي مرة: “كل ما فسّرت معنى، ألقى نفسي أروح لمعاني ثانية… كأني في زمن تكثر فيه السرعة، وتقلّ فيه المعاني.”
وكان كثيرًا ما يشكو من سطحيّة التفسيرات المعاصرة، التي تفرغ الإنسان من جوهره، وتحوّله إلى كائن بلا معنى.
لم يكن يعلم أنني حفظت رقمه في هاتفي باسم: “إنسان المعنى”. ربما لأنه الوحيد الذي استطاع أن يتعامل مع فكرتي عن الحياة لا بوصفها سلسلة أحداث، بل كسلسلة تأويلات.
قال لي ذات يوم، وهو يتأمّل وجهي:
“يوم شفتك، حسّيت إن وجهك فيه حزن… بس فيه تفاؤل بعد.”
فأجبته، بهدوء:
“أشياء كثيرة امتزجت في هذا الوجه… ولا يقرأها إلا من يقرأ المعاني، ويجيد تأويلها.”
منذ تلك اللحظة، كما قال لي لاحقًا، شعر أنني الأذن الصاغية التي كان يبحث عنها.
هل يحتاج المعنى إلى بحث، أم أن البحث هو الذي يحتاج إلى معنى؟
في جوهر الأمر، المعنى لا يُمنَح بل يُكتشف، وهذا ما يجعل البحث ضرورة. غير أن كل بحث لا يبدأ من فراغ، بل ينطلق من دافعٍ داخلي، من معنى لحظي أو مكتسب، يحمله الإنسان في رحلته نحو الفهم. وهكذا، يظل المعنى والبحث في علاقة دائبة، كلٌّ منهما يُفضي إلى الآخر.
الضوضاء التقني كحالة تخبّط في المعنى
في عصر السرعة وهيمنة العالم الافتراضي، بل وتغلغله في الواقع حتى أصبح متبوعًا لا تابعًا، يجد الإنسان نفسه بحاجة ماسّة إلى البحث عن المعنى في التفاصيل التي لا يلتفت إليها سيل التواصل الاجتماعي أو طوفان المعلومات.
فهذا السيل قد يسلب البعض امتنانهم لذواتهم، ويقلّل من تقديرهم لإنجازاتهم البسيطة التي قد يرونها تافهة تحت وطأة تعطّش هذا العصر للنجاح والإنجاز المتسارع.
وهكذا، يصبح الإنسان هاربًا من تفاصيل حياته اليومية، غير ممتنٍّ لها، لاهثًا خلف ما لا يملك، متناسيًا ما بين يديه.
هل يمكن أن تتفاوت المعاني بين الناس؟
بطبيعة الحال، نعم. تختلف المعاني بين البشر، كما تختلف سُبل الوصول إليها، وتتباين الدلالات التي تتشكّل تبعًا للبيئات المتنوعة التي ينشأ فيها الناس.
فقد صديقي والدته منذ مدة، بعد أن انقطع عني لعدة أشهر، فلما التقيته قال لي:
“شعرتُ أن الحياة غيّرت معناها، أو لعلّها منحتني معنًى آخر، غير الذي كنت أتصوره؛ معنًى أشدّ قسوةً وأكثر مرارة.”
بطبيعة الحال، تذكّرتُ حينها رواية “موت إيفان إيلييتش” لتولستوي، حين أدرك إيفان أنه كان يظن أنه يحيا حياة ناجحة وفقًا لمقاييس المجتمع آنذاك، ثم اكتشف، في لحظاته الأخيرة، أنه إنما عاش حياةً سطحية، خاوية من المعنى، يسودها التظاهر وحب الذات والركون إلى المألوف وزيف العلاقات الاجتماعية.
شاركنا تعليقك من هُنا