يأتي وقتٌ في الحياة يبدو فيه كل شيءٍ وكأنه سلسلةٌ متواصلةٌ من الإشارات الخضرا، حركة دائمة وإيقاع لا ينقطع، ولا مساحة للتوقف بين الخيارات. تستيقظ وأنت بالفعل في منتصف الخطوة، تفكر في المهمة التالية قبل أن تُنهي الحالية، تحمل عقلًا مثقلًا بالأفكار غير المكتملة، وجدولًا لا يُبدي أي تعاطف. لكن في مكانٍ ما بين تلك الاندفاعات المتتالية، يأتي يومٌ تضغط فيه الحياة على المكابح نيابةً عنك، بشكلٍ مفاجئٍ وحاسم، لا لبس فيه. يومٌ يتوقف فيه الإيقاع ويصبح صوت أنفاسك أعلى من خططك.
لا يبدو الأمر مريحًا حين يحدث. يبدو مزعجًا وخاطئًا. أشبه بخللٍ في الطريقة التي “يُفترض” أن تسير بها الأمور. لكن إن تأملت في هذا التوقف طويلًا بما يكفي، ستدرك أن هذه التوقفات المفاجئة ليست عشوائية، بل محطات مراجعة، وإعادة ضبطٍ صامتة. تذكير بأن السرعة والغاية ليسا الشيء ذاته، وأن الجري بلا اتجاه ليس إلا شكلًا آخر من الضياع، لكن بوتيرة أسرع.
لا أحد يعلّمك كيف تستجيب عندما تضغط الحياة على زر الإيقاف. نحن مُدرَّبون على السرعة في الإنتاج، وعلى الاستمرار بالتحسين، وعلى الإنجاز. نتقن العمل، لكننا لا نتقن العودة إلى أنفسنا. البوصلة الداخلية موجودة، نولد بها، لكننا ندفنها تحت طبقات من المسؤولية والاستعجال. نتبع الجداول قبل أن نتبع الحدس، ثم نتساءل لماذا يزورنا الإرهاق كضيفٍ غير مدعو.
دعني أتحدث إليك مباشرة، بوصفي شخصًا يعرف معنى الاصطدام بحدوده. نعم، قصصنا مختلفة، لكن الأنماط الإنسانية تتشابه. في مكانٍ ما من خطك الزمني، سيكون هناك فصلٌ لا تحب إعادة قراءته. فصلٌ سقطت فيه عشرات المرات بطرقٍ لم يشهدها سواك. ومع ذلك، نهضت مرةً بعد أخرى، لأن شيئًا في داخلك رفض أن يبقى منطفئًا.
كنت أكره كلمة “الفشل”. بدت ثقيلة، شبه مهينة، كأنها صُممت لتستقر في العقل بشكلٍ غير مريح. لكن كلما عدت إلى الوراء، أدركت أمرًا خفيًا: كل واحدةٍ من تلك السقطات حفرت مساحةً للشخص الذي كنت أتحول إليه. لم تكن أيٌّ من تلك المحاولات عبثية. لم تكن التفافات، بل كانت ترميمًا.
وهنا تكمن المفارقة: نحن نتشكل في اللحظة التي نظن فيها أننا ننهار.
مؤخرًا، وخلال حديثي مع والدتي عن كتابٍ أقرأه، وصلنا إلى حقيقةٍ يغفل عنها كثيرون: النجاح نادرًا ما يبدأ بالأصالة. لا أحد يبدأ استثنائيًا. العالم يحب فكرة “التفرّد”، لكن الواقع أن كل شخصٍ مميز بدأ بأدواتٍ عادية. بدأوا بتقليد الخطوات الأولى ذاتها التي سار عليها الآخرون—التقديم، المحاولة، التعلّم، الفشل، ثم التكرار. لا عيب في ذلك ولا افتقار للإلهام؛ إنها القاعدة التي يقف عليها الإبداع الحقيقي لاحقًا.
فقط بعد أن تفهم الأساسيات، يبدأ عقلك في تشكيلها لتأخذ شكلَك أنت، هناك تولد الهوية، ويبدأ صوتك وقراراتك ورؤيتك في التميّز عن الجميع.
الناس لا يحتاجون إلى التفاصيل ليشعروا بحقيقة رحلةٍ ما. حين يصفك أحدهم بأنك “جوهرة نادرة”، فهو لا يتفاعل مع إنجازاتك؛ بل يقرأ الكتابة الخفية التي نقشتها الحياة على ملامح شخصيتك. يستجيب للقصة غير المروية التي استشعرها دون أن تُروى.
هناك ثِقَلٌ يرافق تعلّم الأشياء بالطريقة الصعبة. يستنزفك، يمدّك إلى أقصى حدودك، ويطلب منك التمسك في لحظاتٍ تفضّل فيها التراجع. لكن ثمة وضوحًا من نوعٍ آخر لا يظهر إلا عبر تلك الدروس القاسية—وضوحٌ يطرقك عندما يُنادى اسمك أخيرًا، أو حين تتجسد جهودك في شيءٍ ملموس، أو عندما تدرك أنك تقف في مكانٍ قاتلت طويلًا للوصول إليه.
لن أكون هناك لأشهد نقطة تحوّلك، أينما كانت. لكن ربما ستكون هذه الكلمات معك. ربما يتردد صدى هذا النص في الخلفية عندما تخطو خطوةً تشعر بأنها أكبر من سابقاتها. ربما يرنّ في ذهنك عندما يأتي الاعتراف أخيرًا بالعمل الذي كنت تصبّه في أيامك بصمت.
إن رنّ في اللحظة المناسبة—إن سمعته بالطريقة التي قصدتها—فقد وصل إلى وجهتك.
وإلى أن يحين ذلك، تعلّم أن تستخدم مكابحك، لا لتوقف رحلتك، بل لتحرسها. تعلّم متى تتوقف، متى تعيد التمركز، ومتى تستدعي نفسك إلى نفسك. قد يدفعك العالم إلى الاستمرار في الجري، لكن بوصلتك—بوصلتك الحقيقية الداخلية—وُجدت حتى لا تركض متجاوزًا حياتك ذاتها.
هنا والآن، وإلى أن يأتي ذلك اليوم، كن أنت—من أجلك، وإليك، ومعك.