في كُل مرة يجتاحني ألم نفسي أو شعور سيء، اجدني أهرب نحو مكتبتي وغرفة القهوة الخاصة بي غارقة مع مقتنياتي، تلك الأشياء التي أحبها تعمل وقت حزني كملاذ آمن وحبة بروفين مسكنة لأوجاعي، فتفكرت لماذا عندما نتألم يزيد امتناننا وتقديرنا للأشياء التي نحبها؟
الحقيقة إن الإنسان يعتاد على ما يحب فيصبح قلبه في وضعية الأمان العاطفي، إلا إذا حدث شيء هز سقف أمانه وهو الألم الناتج عن العيش، أو مواجهة خسارة فادحة، تجعل العقل يفتش عن مصدر يخفف من الواقع المُر ويجعل الإنسان يفرغ مشاعره السلبية حتى لا ينفجر، فيلجأ إلي ممارسة ما يحب ويزداد تعظيمه للأشياء التي يفضلها، فنرى أن تلك الأشياء أنقذتنا بطريقة ما، وهذه حقيقة مثبتة في علم النفس، بالتأكيد أنك سمعت ولو لمرة واحدة من أحد الأخصائيين النفسيين جملة "حاول أن تمارس ما تحب" أثناء محاولتك التعافي من مصيبة ألمت بك، قد يظن البعض أنها ترهات علم النفس ولكن أجزم لكم أنها طريقة فعالة للحفاظ على روح الإنسان.
بحثت كثيرًا في علم النفس عن سيكولوجية إنقاذ تلك الأشياء التي تكاد تكون بسيطة لأرواحنا، فلم أجد تفسير مفصل، ولكن أعتقد أنني توصلت لأدلة تثبت وجهة نظري في كونها "حبة بروفين"، فمثلاً هناك مفهوم يدعى التدفق ""Flow لعالم النفس ميهالي، أثبت من خلاله أن الإنسان يدخل في حالة من فقدان الإحساس بالزمن والعالم عندما يفعل شيء يحبه، فتختفي المشاعر السلبية بدورها ويدخل العقل في راحة إجبارية، ولكننا هنا نتكلم عن لحظات وليس أمر قد يدوم، فيقول ميهالي إن الإنسان ما أن يدرك تلك الحالة من التدفق حتى تنقطع ويعود إلى الواقع – مثل انتهاء مفعول المُسكن.
امتداد للهوية
ليس بالضرورة أن تكون تلك الأشياء المنقذة ذات زخم كبير، فمرةً أنقذتني الكُتب فبتُّ أنهي ثلاثة كتب خلال أسبوع لأتغلب على إحدي أزماتي العاطفية، وفي أخرى أنقذني التوثيق بالتقاط اللحظات الرائعة بالكاميرا، كما أنقذتني ساكورا "قطتي اللطيفة" في كل لحظة شعرت بها باضطراب نفسي عابر، وكوني مسلمة فالتعبد والفرار إلى الله بضعف العبد المُحب ينقذني ويعافيني أيما تعافٍ، أنا أعلم تمامًا أنني بذلك أتعرى ذاتيًا أمامكم كما تقول أستاذة إيمان العزوزي في مقالها يوم تنمرت شرارة على السيّاب، ولكن قد يكون من المفيد أن يرى شخص يحتاج للإنقاذ هذا التعرّي الذاتي لينير بصيرته على الأشياء التي يحب، والتي بلا شك ستمد إليه يد العون،
مكتبتي وساكورا - بعض ما أحب
فكل شيء تحبه واستذكرته كبطل خارق أنقذك في أوج ألمك وأنت تقرأ كلماتي هذه، ما هو إلا امتداد للذات. يفسر مفهوم في علم النفس الاستهلاكي يفسر أننا بطريقة أو بأخرى نرتبط بشكل مادي بممتلكاتنا وبما في ذلك الأشخاص الذين نُحبهم أيضًا، يشير إلى أن ذواتنا لا تقتصر على ما في دواخل الإنسان فقط، فقد تمتد للكتب التي نقرأ، والمقتنيات الشخصية، الأماكن التي نرتادها، جميعها نشعر أنها جزء من هويتنا الحقيقية تلفها أو فقدانها يعني فقدان جزء من هويتنا، لذلك عندما يواجه الإنسان أزمة حياتية يلجأ للأشياء التي يحب لأنها تذكره بهويته التي غالبًا ما ينساها عند أول مطب "أزمة".
مفارقة الإنقاذ والتخلي
وأنا أسترجع بذاكرتي الشخصيات التي أنقذتها ممارسة ما تحب، تستحق أن تذكر في المقال كمرجع انساني، تذكرت - وليتني لم أتذكر - مذكرات "لتر واحد من الدموع" للكاتبة اليابانية آيا كيتو، الفتاة التي استيقظت في يوم من أيام عمرها الرابع عشر لتجد نفسها مصابة بمرض ضمور المخيخ، وهو مرض نادر جدًا، لا علاج له يؤثر على القدرات الجسدية، وكل ما عليها أن تتقبل موتها ببطء شديد، عانت آيا مع المرض لمدة عشرة أعوام، لم ينقذها من اليأس سوى تدوين مذكراتها فكانت تشعر أنها حية ما دامت تكتب. نُشرت المذكرات قبل وفاتها بعامين
الجدير بالذكر أنها في آخر أعوامها وتدهور حالتها أصبحت كتاباتها مشوهة وغير مفهومة، بيد أنها لم تفقد رغبتها في الكتابة فواصلت كتابة مذكراتها في كراسة رسم وباستخدام قلم سحري حتى فقدت القدرة تمامًا وتوفيت في عمر الـخامسة والعشرين، بالمناسبة لا أنصح ابدًا بمشاهدة المسلسل أو قراءة الكتاب لأنك ستذرف لترات من الدموع.
ولأن الإنسان هو الأب الروحي للتناقض فهناك استثناءات عجيبة، ففي أحيان أخرى - وهنا أشير إلى نسبة 1%- في حزني أتحاشى رؤية الأشياء التي أحب أو التفكير فيها، لأنها تذكرني بلحظاتي السعيدة التي لم أقدرها في وقتها، وقد أدركت مؤخرًا أن ما كنت أعاني منه أحيانًا، يسمى في علم النفس بالتنافر الوجداني وهو عيش مشاعر متناقضة كالكره والحب في آن واحد، لأن تلك الأشياء التي أحب، تذكرني في أوج ألمي بأني كنت سعيدة يومًا ما، وعلى ذكر هذا التناقض نعود إلى الثقافة اليابانية مع ميكي ماتسوبارا المغنية التي أدت أغنية stay with me- mayonaka no door معشوقة كبار السن في اليابان
شُخصت ماتسوبارا في وهج نجوميتها بمرض سرطان الرحم في مرحلته الأخيرة، فكانت أول خطوة قامت بها هي التخلي عن حبها للموسيقى، فتركت المسرح والغناء وطلبت من شركات الإنتاج حذف جميع الأغاني التي أصدرتها، وندمت أشد الندم على أنها لم تعش حياتها بعيدًا عن الموسيقى؛ كما أخبرت زوجها أنها تمنت لو أنها تولد من جديد لتعيش بطريقة أفضل، رغم أن ماتسوبارا عاشت حياتها بين النوتات الموسيقية، لكن عند اللحظة المفصلية في حياتها تخلت عن أكثر ما كانت تحبه أغانيها.. وهذا ما جعلني أتساءل مرة أخرى، لماذا نتخلى عن الأشياء التي نحب عندما نشعر أنها النهاية؟
أرى أن الانسان يقف في منتصف السؤالين، فهو يكره الخسارة وأظن أن هذا السبب الرئيسي، شعور أنه سيخسر كل تلك الأشياء التي يحبها أمر صعب، فلا يكون منه سوى أن يتخلى عنها قبل أن تتخلى عنه، كنوع من آلية دفاع وحفظ للكرامة.
يقول جلال الدين الرومي "دع روحك تجذبك بصمت إلى ما تحبه حقًا، إنها لن تضلك أبدًا"...وأنت هل أنقذتك يومًا الأشياء التي تُحب؟