لماذا نتزوج ؟ لو طرحت هذا السؤال على مجموعة عشوائية من ثقافات متنوعة حول العالم، سوف تجد أجوبة متعددة ولكن ما يجمعهم دائمًا أن الجواب دائمًا خطأ. الجواب ليس خطأ لأننا لا نعرف الحقيقة، ولكن الجواب دائمًا خطأ لأننا لانعرف السياق التاريخي للسؤال. نظن أن الزواج قرار شخصي، عاطفي، وعقلاني وهو عكس ذلك تمامًا. لنفهم سياق السؤال دعني أخذك في رحلة لمدة ٦ دقائق بالكثير ونعود في نهاية المقال لنجاوب سويًا من جديد. اتفقنا؟
السياق التاريخي لمفهوم الزواج
قبل أن نعبر في تفاصيل كثيرة، دعني أضع تعريفات ضرورية في هذا السياق وأهمها الفرق بين التزاوج والزواج.
التزاوج (Mating / Pairing):
المفهوم: هو مصطلح عام وشامل ويُستخدم في علم الأحياء بشكل خاص.
الهدف الأساسي: يشير إلى عملية التقاء ذكر وأنثى لتكوين رابطة أو زوج بهدف الإنجاب والاستمرار البيولوجي للنوع.
النطاق: ينطبق على جميع الكائنات الحية (الإنسان، الحيوان، النبات) حيث لا يحتاج إلى شكل قانوني أو اجتماعي معترف به.
الزواج (Marriage):
المفهوم: هو مصطلح خاص ومحدد بالإنسان.
الهدف الأساسي: هو عقد اجتماعي وقانوني أو ديني بين رجل وامرأة، يهدف إلى إنشاء أسرة، وتحديد الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، وإضفاء الشرعية على العلاقة والأبناء.
النطاق: يتجاوز مجرد الإنجاب ليشمل أبعادًا نفسية، وعاطفية، واقتصادية، واجتماعية، ويتم ضمن إطار ثقافي وقانوني معين.
تاريخيًا الإنسان يمر على مراحل عدة ليكوّن مفهوم يعبر عن بمؤسسة. على سبيل المثال الأديان لم تتكون بشكلها الحالي منذ الأزل. الإنسان عاش مايقارب 200 ألف سنة في هذا الأرض بشكله الحالي، وتعبد الله بطرق كثيرة بدائية/فطرية إلى أن كون مفهوم الدين كمؤسسة واضحة خلال الألفي سنة الماضية. وهذا الشيء ينطبق على كل المفاهيم الأساسية في حياتنا اليوم.
لنوضح الفكرة أكثر هذه معادلة تشكل أي مفهوم في حياة الإنسان :
حاجة ضرورية نمارسها >> صراع مبني عليها >> اتفاق على مفهوم يمنع الصراع >> مؤسسة تُمثل المفهوم
طيب نرجع للزواج وش رايك؟
الإنسان قبل تشكل مفهوم الزواج، كان يتزاوج لأهداف بيولوجية بحتة للإنجاب والتكاثر. وكلما تكاثر كلما زادت فرص نجاته. وكل مفهوم نعيشه اليوم هدف تكوينه هو للحفاظ على الهدف الأساسي منه. فعلى سبيل المثال مفهوم الدولة هدفه الأساسي هو إرساء الأمن، وعند انتفاء هذا الهدف في دولة ما، ينتفي معها المفهوم كامل ولم تعد دولة فالأساس. مفهوم الزواج مختلف من ثقافة لأخرى ولكنهم يتفقون في فكرة أساسية هو الحفاظ على اختلاط النسل وهو أساس الخلافات والحروب
من خلال عقد مُعلن وواضح "عقد الزواج".
يبدوا أننا متفقين إلى الآن الأمور طيبة صحيح؟ لا تستعجل ..
الزواج بين الغرب والشرق
على مر العصور بين فترة وفترة تنتصر ثقافة معينة وتُصبح الثقافة المركزية للعالم. الثقافة المركزية هي الثقافة التي تنتصر وتصبح المهيمنة أو السائدة على مستوى العالم في فترة زمنية معينة.1 وهذا يعني أن هذه الثقافة تصبح نقطة الجذب الأساسية التي تؤثر في الثقافات الأخرى وتحدد الاتجاهات والمعايير العالمية في مجالات مختلفة، سواء كانت سياسية، اقتصادية، أو اجتماعية.
اليوم الغرب هو الثقافة المهيمنة ويتصدر المشهد دولة أمريكا. والغرب ثقافة مختلفة من نواحي عدة ولكن أهم الإختلاف الذي نحتاج أن نتطرق له هنا هو توسعهم في مفهوم العلاقات العاطفية وامتدادها لجوانبها الجنسية وقبول المجتمع بها بشكل طبيعي جدًا. قبول المجتمع والإعلان عن العلاقة بين طرفين هو أساس جوهري في مفهوم الزواج ولكنها ليست زواج كون الالتزام القانوني لا ينطبق على العلاقات العاطفية فهو ليس زواجًا. وبما أن الغرب هي الثقافة المهيمنة فهي تُصدر لنا إضافة إلى جهازك الذي تقرأ من خلال هذه المقالة، الكثير من المفاهيم ومنها علاقاتهم العاطفية كثقافة لايوجد لها ما يكافئها في مجتمعاتنا العربية الإسلامية إلا الزواج. وهنا يكمن الخلط الشعوري، الفكري في مفهوم الزواج لدينا.
الفرق بين الزواج والعلاقات العاطفية
نحن مجتمع لا يقبل تمامًا بالعلاقة العاطفية بين الذكر والأنثى في أي إطار غير إطار الزواج من جانب، ومن جانب آخر نستهلك المحتوى الغربي من ناحية العلاقات العاطفية و نستلهم منه الدروس والأحلام والتطلعات تجاه مشروع زواجنا القادم، أو نجعله معيار تجاه زواجنا القائم وهو في الأساس ليس زواجًا دام لم يؤطر بالالتزام القانوني.
الالتزام القانوني في العلاقات العاطفية هو حجر الأساس في الزواج. ولذلك نجد مشكلة أساسية في مفهوم الزواج لدينا وسببه مقارنة ظالمة بين الزواج في مجتمع لا يقبل العلاقات العاطفية بالمطلق وبين مجتمع يعيش ويتكاثر بالعلاقات العاطفية ولكنها دون الالتزام القانوني. تظهر لنا نتيجة نهائية في مجتمعاتنا وهي إما علاقات عاطفية سرية، أو زواج معلن بمعايير علاقة عاطفية غربية، كلاهما خطأ.
بسبب هذا الخلط، تجد في مجتمعنا الكثير من الزواجات بدون نوايا إنجاب لأن الهدف ليس زواجًا ولكن علاقة عاطفية. لنفهم الزواج ونحقق أهدافه لابد أن تكون نظرتنا أبعد أعمق أكبر من مفهوم العلاقات العاطفية. الزواج من جوانبه أنه علاقة عاطفية ولكنه ليس مجرد علاقة عاطفية. فهو التزام قانوني، ديني، اجتماعي، لبناء اسرة من خلال إنجاب أطفال.
إذا كنتي أنثى و لم يكن في ذهنك الإنجاب عندما تتطلعين للزواج فاعلمي أنك تبحث عن علاقة عاطفية لا زواجًا. وإذا كنت ذكر ولم يكن في ذهنك الالتزام القانوني، الاجتماعي، الديني تجاه المشروع فاعلم أنك تبحث عن علاقة لا زواجًا. وبعد هذه الرحلة البسيطة من الممكن العودة لنقطة البداية ونعيد سؤال أنفسنا من جديد، لماذا نتزوج؟
شاركنا تعليك من هنا