في لحظات معيّنة، مع أشخاص ذوي قرب شديد إلى قلوبنا، لا نكتفي بالسلام العادي أو قبلة على الخدين، بل نريد أن نحتضن، نشدّ قليلًا، نضغط الخدود، نعصر الأيدي، ونبالغ في الحضن كأننا نخشى أن يتلاشى. أحيانًا نكتفي بقبلة واحدة، ثم نتراجع سريعًا عنها لنعود إلى الحضن والعصر. يحدث هذا بلا تفكير وبلا نية أذى، وغالبًا ما يتكرر في لحظات الحب الخالص.
لكن، لماذا نعصر من نحب؟
في علم النفس يُعرف هذا الشعور باسم العدوان اللطيف، وهو ليس نية حقيقية في الأذى، بل رد فعل عصبي ينشأ من فيض المشاعر الإيجابية الذي يصعب على الدماغ تنظيمه وحده. تشير أبحاث في علم الأعصاب إلى أن هذه الاستجابة ترتبط بنشاط متزامن في مناطق المكافأة والعاطفة في الدماغ، ما يجعلها أقرب إلى محاولة داخلية لضبط العاطفة لا تعبيرًا عن عدوان فعلي. فعندما نشعر بالغرق العاطفي تجاه شخص أو كائن لطيف جدًا، ينشأ سلوك يبدو متناقضًا في ظاهره، لكنه يؤدي وظيفة توازنية في الداخل. إنها طريقة غير واعية يحاول بها العقل تخفيف الإرباك الناتج عن شدة الحب، عبر ردود جسدية أو لفظية تبدو عنيفة، بينما هي في حقيقتها وسيلة لتنظيم المشاعر لا نفيها.
حين يتدخل الدماغ في الحب
أظهرت العديد من الدراسات أنه حين نشاهد طفلًا صغيرًا بعينين كبيرتين، وجبهة بارزة، ويدين صغيرتين جدًا، نشعر برغبة غريبة في «التهامه» من فرط اللطافة، وينطبق الأمر ذاته على الحيوانات الصغيرة كالأرانب والقطط، حيث تتحول المشاعر الجارفة إلى اندفاع جسدي لا شعوري. ولا يقتصر هذا السلوك على لحظات الإعجاب البصري فقط، بل يظهر أيضًا في العلاقات القريبة، حين نشعر بالقرب والأمان مع شخص نحبه، فيتحول الفائض العاطفي إلى رغبة جسدية في التعبير لا واعيًا.
وتدعم الدراسات الحديثة هذا التفسير من منظور تجريبي أكثر دقة؛ إذ تشير الأبحاث إلى أن العدوان اللطيف يرتبط ارتباطًا مباشرًا بما يسمّيه الباحثون «الشعور بالإغراق العاطفي».
في تجارب عُرضت فيها على المشاركين صور لرضّع وحيوانات صغيرة، أبلغ كثير منهم عن رغبتهم في قول عبارات مثل «أريد أن أضغط!» أو «أشعر أنني أريد قرص الخد»، وكان هذا الاندفاع مصحوبًا بنشاط ملحوظ في مناطق المكافأة والعاطفة في الدماغ. وخلصت الدراسة إلى أن العلاقة بين الإحساس باللطافة والسلوك الجسدي تمرّ عبر مرحلة وسيطة هي شدة الشعور نفسه؛ فكلما زادت قوة المشاعر الإيجابية، زاد احتمال خروجها في صورة تعبير جسدي غير واعٍ، كطريقة داخلية لتنظيم الفيض العاطفي لا أكثر.
بين العلم والفلسفة
بعيدًا عن التفسير العلمي، لا يتعامل معظم الناس مع هذه الرغبة بوصفها ظاهرة نفسية، بل كجزء طبيعي من الحب نفسه. لا نسأل لماذا نفعل ذلك، ولا نبحث عن معنى السلوك لأننا نشعر أنه بديهي، يحدث كما يحدث الضحك أو البكاء. كأن الجسد يمتلك لغته الخاصة في التعبير عن القرب، لغة لا تمر عبر التفكير ولا تحتاج إلى تبرير.
يحدث الأمر أيضًا في مواقف بسيطة؛ كأن تعود إلى المنزل وتجد وجبة لذيذة تنتظرك، فتشعر برغبة في الضغط على من أعدّها لك أو قول عبارات مبالغ فيها من فرط الامتنان.
في التجربة اليومية، لا يبدو العصر فعلًا مستقلًا بقدر ما هو امتداد للحظة العاطفية نفسها. نحن لا نعصر من نحبهم لأننا نريد إيذاءهم، بل لأننا نريد الاقتراب منهم أكثر مما تسمح به المسافة المعتادة. كأن اللمس القوي محاولة لوصف ما لا تستطيع الكلمات قوله: أنك هنا، وأنا قريب، وهذه اللحظة مهمّة إلى حدّ أنني لا أريد لها أن تمرّ بهدوء.
وربما لهذا لا نشعر بعدها بأي تناقض داخلي، لأننا لا نرى في السلوك عدوانًا أصلًا، بل شكلًا آخر من أشكال التعبير، أقل تهذيبًا من الكلام، لكنها أصدق من كثير من الجمل.
ولعل كثيرًا منا تعلّم هذا النمط من التعبير مبكرًا عبر الأعمال الكرتونية نفسها. فجيل كامل تربّى على سبيستون، وشاهد كيف يُعبَّر عن المشاعر العميقة بالحضن القوي والعصر. في عهد الأصدقاء مثلًا، حين توفي ألفريدو، لم يجد روميو وسيلة للتعبير عن حزنه سوى أن يضمه إلى صدره بقوة، وحين عاد إلى والدته بعد غياب طويل، استقبلته بحضن شديد يعكس شوقًا وخوفًا من الفقد أكثر مما يعكس أي عدوان.
هل "العصر" ثقافة عاطفية؟
تختلف نظرة المجتمعات إلى سلوك العصر والاقتراب الجسدي باختلاف ثقافة اللمس والتعبير العاطفي. ففي كثير من المجتمعات الغربية، يُنظر إلى هذا السلوك بوصفه تعبيرًا طبيعيًا عن المودة، ولا يُربط عادة بأي دلالات سلبية. ويُتداول مصطلح «العدوان اللطيف» في الإعلام والمقالات النفسية بوصفه ظاهرة شائعة، تُفسَّر على أنها رد فعل عاطفي مبالغ فيه لا أكثر. وتُستخدم عبارات مثل «أريد أن أعصرك» في سياق مجازي للتعبير عن الإعجاب أو الحب، دون أن تُؤخذ على محمل حرفي.
ويوجد مجتمعات تميل إلى القرب الجسدي، مثل كثير من الدول العربية وبعض دول البحر المتوسط كإيطاليا وإسبانيا، يُعد لمس اليد والمصافحة والأحضان جزءًا من التواصل الاجتماعي اليومي. ففي هذه البيئات، يُنظر إلى الحضن والعصر داخل العائلة، خصوصًا مع الأطفال، بوصفهما سلوكًا طبيعيًا يعكس الحنان والاهتمام. كما تختلف أنماط القرب الجسدي حسب السياق؛ فبين النساء يكون أكثر قبولًا، بينما يقل بين الرجال، ويقتصر غالبًا على المصافحة أو تقبيل الخد في حال وجود علاقة قريبة.
في المقابل، توجد مجتمعات تُصنَّف ضمن الثقافات منخفضة اللمس، مثل اليابان وكوريا والصين، حيث يُنظر إلى الحضن والاقتراب الجسدي في الأماكن العامة على أنهما تدخّل في المساحة الشخصية. وتُفضَّل في هذه المجتمعات التحية بالانحناء أو المصافحة الخفيفة، مع الحفاظ على مسافة واضحة بين الأفراد. ولا يعني ذلك غياب المشاعر، بل اختلاف طرق التعبير عنها وفقًا للمعايير الاجتماعية السائدة.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم سلوك "العصر" بمعزل عن السياق الثقافي؛ فالمشاعر الإنسانية متشابهة في جوهرها، لكن أساليب التعبير عنها تتشكل وفق ما يسمح به المجتمع من قرب أو مسافة.
فالعدوان اللطيف ليس سلوكًا غريبًا بقدر ما هو انعكاس لعجزنا عن احتواء المشاعر العميقة بهدوء كامل. فحين يعجز الكلام عن حمل ما نشعر به، يتدخل الجسد ليقول بطريقته الخاصة: أنا أحب أكثر مما أستطيع أن أشرح.