"سأعتني بنفسي، فأنا من أطفال المفاتيح".
لطالما كان هذا ردّه كلما لجأ لطلب المساعدة، ينظر بثبات، يتحدث بهدوء ويتمتع بصلابة لا تُشبه من يطلبون المساعدة عادةً.
فكيف تنتشل "طفل مفتاح" من آلامه النفسية وهو يطلب المساعدة؟
من هم أطفال المفاتيح؟
تعرفت على مصطلح "أطفال المفاتيح" خلال قراءتي لكتاب تعرية الحب، وهو كتاب نفسيّ وجوديّ يستعرض حالات لمرضى الدكتور النفسي إرفين د. يالوم، وفي إحدى الحالات كانت هناك امرأة في أواخر الثلاثين تدّعي أنها من أطفال المفاتيح.
ظهر المصطلح خلال الحرب العالمية الثانية، حينما كان الآباء يُقاتلون بعيدًا عن أبنائهم وزوجاتهم، والأمهات يعملن طيلة اليوم خارج المنزل لتوفير قوت يومهم، لهم ولأطفالهم الذين فُرِض عليهم الاعتناء بأنفسهم في سنٍ صغيرة، حيث امتلكوا نسخةً من مفاتيح المنزل تُعلّق بسلسلةٍ بالية على رقابهم حتى يخرجوا ويعودوا بأنفسهم دون انتظار أم تستقبلهم.
كثيرون من حولنا "أطفال مفاتيح" قد نعرفهم أو لا نعرفهم، ومن الممكن أن نكون أحدهم،
عناية مبكرة
ماذا نعني بالعناية بالنفس وخصوصًا في سنٍ مبكرة؟
يعني أن تعتني بكل ما يخصك، هندامك، أن تنظف بقع عشوائية من على ملابسك، وتحرص على إيجاد وجبات تُشبع البطن على مدار اليوم، وأن تواجه مشاعرك العابرة وحدك، مثل بكائك على حلوى، أو لعبة، أو شعورك بالحاجة لحضن وحنان، مثل هذه التفاصيل تختص بها الأمهات حتى يصل الطفل لسن معينة ويستقل بذاته، ولكن في حالة أطفال المفاتيح، الأمر مختلف، فهم من يشبعون هذه الاحتياجات لأنفسهم، وعلى الرغم من أنهم معتادين على العناية بأنفسهم، إلا أنهم يكبرون وفي أرواحهم حاجة للاهتمام، حتى وإن كانت مظاهرهم مستقلة، وناضجة، ومكتفين بذواتهم، إلا أن احتياجهم لشعور الاهتمام يأخذ حيّزًا ليس بسيطًا، ولا يؤذي إلا حامله.
اعتياد المفتاح على الرقبة
غالبية من كبر من أطفال المفاتيح "وهو مسؤول عن نفسه"، يتجاوز أي أمر بالاعتياد، حتى وإن تعب نفسيًا فسيتجاوز تعبه وحده، ولو قرر أن يطلب المساعدة، فالعلاج دائمًا يكمن في ذاته. والتغيّر دائمًا يكون من قرارة نفسه، مهما مددت له أيادي العون، فرغبته هي المتحكّم. لا تستطيع أن تنشل المفتاح من على رقبته، فهو رمزُ للأمان الذي عرفه واعتاده وتشكل بوعي طفلٍ في السادسة.
تأمل المفتاح
تأمل المفتاح الوهمي على رقبتك وفكّر: هل كنت يومًا طفل مفتاح؟ ليس بالضرورة أن تكون العائلة بعيدة طوال الوقت لظروفٍ قهرية، من الممكن أنك كنت تقضي وقتك كله في بيت أحد الجيران أو بيت الجد والجدة. ماهو شعورك عند دخول بيتك كل مرة؟
الشعور يدلك على وجود عامل الفقد؛ قد يكون فقد فعلي كوفاة أحد الوالدين، أو فقد نفسي كوجودهم في هذه الدنيا ولكنهم غائبين عن حياة الطفل. من هنا يتكون شعور الطفل بالوحدة والاستقلالية في سن مبكرة، مما يدفعه للاعتناء بنفسه، وأن يعي أن لا أحد من الوالدين سيلحظه إلا حين يغيب.
في بيئاتنا العربية، قد لا نحمل مفتاحًا على الرقبة، ولكن قد نحمل على أكتافنا شعورًا بالغربة داخل منازلنا.
أثر المفتاح
كشابة اعتنت بذاتها منذ الصغر،من يأتي إليّ شاكيًا من شيء، ولديه الكثير من العلل التي تحتاج إلى التغيير، أخبره بأن لا يتوقع مني المعجزات وأني من سيغيّره، فالتغيير بيدك لا بيدي، والقرار قرارك، وأنا مجرد سبب، والأسباب كثير. إن تغيّرت فهو لذاتك، وإن لم تتغير فهو لذاتك أيضًا. لا شيء يخصني أو يخص من حولك، الموضوع ذاتك ولا شيء غير ذاتك يحتاج إلى الاهتمام.
ولا أعي مدى جدوى كلامي هذا لمن يتلقاه، ولكن هذا ما اعتدت عليه من صغري.
شاركنا تعليقك من هُنا