"قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ…بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُول فَحَوْملِ"
في هذه الأبيات، لم يكن امرؤ القيس يستفتتحُ أحد القصائد الخالدة فحسب، بل كان يضعُ حجر الأساس لمذهبٍ نفسيّ عميق في الشخصية العربية.
حيث يقف الشاعر على بقايا دياره أو منازل أحبّته، يخاطب الجماد فيها و لا يقصده، يسأله ولا ينتظر أن يجيبه؛ وإنما يحاول إيصال هذه المشاعر لأحبّة راحلين أو أيامٍ قد انقضت مستذكرًا مُستعبراً لها باكياً عليها.
لِخَولَةَ أَطلالٌ بِبُرقَةِ ثَهمَدِ
تَلوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ
طرفة بن العبد
يا دارَ عَبلَةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمي
وَعَمي صَباحاً دارَ عَبلَةَ وَاِسلَمي
عنترة بن شداد
لماذا برزت هذه الظاهرة عند شعراء الجاهلية؟
لعل أحد أهم الأسباب هي حياة الترحال عند العرب في الصحاري والقفار مما يجعل فراقهم للأماكن حتميًا؛ فيؤثر في أنفسهم مفارقة أماكن ضمّت ذكرياتهم و سُكنى أحبّتهم
وكما أنهم إن عادوا إليها وجدوها غير التي كانت، قد خلت من الأحبّة، وتغيرت معالمها وبدا عليها الهجر والإهمال مما يولد لديهم الشعور بالحنين والغُربة و يأجج عواطفهم وذكرياتهم.
بالإضافة إلى أنه في الصحراء الشاسعة كُل شيء متبدل. تذرو الرياح الرمال، والقبائل ترحل والآثار تُمحى كأن لم تكن يوماً.
ففي هذه الحالة كانت فكرة 'النسيان' تمثل رعباً للعربي، أن تمر حياته كأن لم تكن، وتُمحى قصته كما تمحي الرياح آثار خُطاه على الرمال. عندما يقف على الأطلال هو لا يبكي الحجارة فحسب بل يُثبت وجوده التاريخي عبر الدليل الماديّ الوحيد الباقي له
كأنه يقول: هنا عشت، وهنا عشقت، وهنا قاتلت.
لقد أدرك الشاعر الجاهلي أن جسده فانٍ، وأن دياره زائلة فاستودع روحه في 'قصيدة' خالدة.
ولكن عثرات الزمان لم تقف عند الخيمةِ والوتد، بل امتدّت لتطال البلدان والحضارات، فالعربي الذي انكسر قلبهُ يومًا لرحيل محبوبهِ ومرابع صباه، وجد نفسهُ أمام كسر أعظم، حيث استحال الوطن كُلّه لأطلال تشهد على مجدٍ قد تبدد. هنا لم يعد الشاعر يبكي ذكرياتهُ فحسب بل صار يبكي هويةً تذروها رياح النكبات.