عن الخسارات المؤجَّلة، والفرص التي لم تُكتب، والنجاة غير المرئية..
ما نرويه عن أنفسنا غالبًا ما يبدأ بما أنجزناه؛ عملٌ حصلنا عليه، علاقة مضت بنا إلى الأمام، بابٌ فتحناه في الوقت المناسب، لكن هناك سيرة أخرى موازية، لا تُكتب، لأن أبطالها قراراتٌ لم تُتخذ، وخطواتٌ لم نخطُها، فلا أحد يحتفي بالفرص التي تراجعنا عنها، أو بالعلاقات التي انسحبنا منها، أو بالأحلام التي تركناها على الرف، لكننا إن التفتنا قليلًا، سنرى كم مرّة أنقذتنا هذه التراجعات الصامتة، وكم مرّة كانت "اللافعل" أعظم ما فعلناه.
لم نُكمِل تلك الدراسة، ولم نردّ على تلك الرسالة، ولم نذهب إلى تلك المقابلة، وبينما بدا ذلك، وقتها، كسلًا أو خوفًا أو تردّدًا، نكتشف بعد سنوات أن ما لم يحدث حمانا من أشياء لم نكن نعرف أننا نحتاج إلى النجاة منها.
لا يُدرَج هذا في السيرة الذاتية، ولا يُقال في اللقاءات التعريفية، لكنه يرافقنا، كظلّ خفيفٍ لما كان يمكن أن يكون، فكلّنا نتذكر تلك المرحلة التي أمضيناها نتردد على بابٍ لم يُفتح، كنا نظن أن مستقبلنا هناك، أن تلك الفرصة هي الممر الوحيد إلى ما كنا نريده، لكننا بعد سنوات، حين رأينا كيف آلت تلك الفرص التي كنا نتمنى الحصول عليها، أدركنا أن "لافعل" لم يكن ترددًا، بل استجابة لنداء داخلي لا يُسمى.
قد لا نملك لغة تصف مثل هذه اللحظات، لكن كما قال باسكال: "القلب له أسبابه التي لا يعرفها العقل"، فكم من مرة كان القلب على حق.
يحضرني هنا شاعر ياباني اسمه ريوكان، عاش وحيدًا في كوخ خشبي أعلى الجبل، ترك صخب المدينة والدروس، ولم يسعَ إلى الشهرة، بل كان يكتب القصائد على أوراق الأشجار، ويمشي في القرى يوزعها. قيل إنه رفض مناصب مرموقة، وفرصًا في المال والجاه، وكان يقول: "روحي لا تتنفس هناك"، واليوم، بعد مئات السنين.. ها نحن، لا نعرف أسماء الذين شغلوا تلك المناصب، والذين نالوا تلك الفرص، لكننا نقرأ قصائد ريوكان في كتب صغيرة، في مقاطع متناثرة، بدفء وهدوء.
كل ما لم نفعله يومًا، لا يذهب هباءً، ربما لم يكن "نصيبنا"، كما نقول غالبًا، لكنه كان شكلًا من أشكال الحماية، طريقة ناعمة للقول: ليس الآن، أو ليس هنا.
أحيانًا، تكون الحياة أصدق حين لا تكتمل، والذين لم يصلوا، بلغوا أكثر..
وليس كل تراجعٍ حكمة بالضرورة، فنحن لا نعرف إن كنا تأخرنا لأننا خائفون، أم لأن بداخلنا نداء لا نجرؤ على الاستماع له، لكن المهم، أن فينا حاسة لا تتغذى على المنطق وحده، بل على شيء أكثر رهافة، يمكن القول إنه: الشعور بما لا يُقال.
ذلك الشعور الذي يجعلنا نُطفئ الهاتف فجأة، أو نغلق البريد دون إرسال، أو نلغي موعدًا دون سبب واضح، ثم بعد حين، نكتشف أن ما بدا تردّدًا، كان فطنة خفية، تُسمّى أحيانًا "حدس النجاة".
أتذكر صديقًا قرر ألّا يسافر، في اللحظة الأخيرة، بعد أن رتّب كل شيء، قال لي: "شعرت أني لو ذهبت، سأضيع". لم يحدث شيء كارثي فعلًا، لم تتحطم الطائرة، ولم يهاجمه حزن كبير، لكن حين بقي، تصالح مع شيء داخله كان مكسورًا منذ سنوات.
لو سافر، لما عرف أنه بحاجة للبقاء، وهنا، كانت النجاة لا من مكان، بل من ذاته.
ربما علينا أن نمنح أنفسنا الإذن أحيانًا ألّا نُكمِل الطريق، لا لأننا فشلنا، بل لأنّ اكتماله كان سيسلبنا شيئًا أكثر صدقًا مما نظن، فمن المهم أن ندرك بأن انسحابنا لا يعني أن نتراجع، وقولنا "لا" لا يعني أننا ضيّعنا الفرصة، بل قد يعني أننا، للمرة الأولى، اخترنا أنفسنا دون تزييف.
ربما لا نحتاج دائمًا أن نمشي كل الطرق لنعرف إلى أين تؤدي، فبعض المسارات يكفي أن نُطلّ عليها، أن نشعر بانقباضٍ غامض، أو ارتباكٍ لا يُفَسَّر، فنعود أدراجنا مطمئنين حتى وإن لم نفهم السبب وقتها، إذ يكفي أن نؤمن بأن في داخل كل واحدٍ منّا خريطة غير مرئية، لا تُرسم بالحسابات، بل بما نكفّ عنه، تلك الخريطة التي تجعلنا ننجو حين ننسحب، تدفعنا لنحفظ أرواحنا حين نتأخر عن قطارٍ لا نعرف وجهته، ونعود إلى البيت دون إنجاز، لكن بحدسٍ يشبه الحكمة.
عشرات المرّات تمنّينا فيها لو حدث أمرٌ ما، لو فُتحت أمامنا تلك الأبواب، لو قابلنا أولئك الناس، لو اخترنا، لو قُبلنا، ثم حين نتذكّر الآن، نشكر الله أن الأمور لم تمضِ كما أردنا، فالقصة في الحقيقة ليست قصة خوف، إنها بصيرة..
وليس هذا اعتذارًا عمّا لم نفعله، بل احتفاءً بما لم يحدث، لأنه ببساطة، لم يكن لنا.
شاركنا تعليقك من هُنا