في لحظة مفاجئة، يلوح وسط عقولنا سؤال متكرر: كيف عشنا في تلك الساعة، أو في تلك الدقيقة، أو في تلك اللحظة حتى، دون أن ندرك كيف مضت؟ لمَ يبدو الوقت بطيئًا في أحيان، وسريعًا في أحيانٍ أخرى؟ وقد يلازمنا شعورٌ قهري بأن الوقت يتسرب من بين أيدينا كالرمل، فنهرع في محاولةٍ يائسة لأن نُحكم قبضتنا عليه، لكن دون جدوى!
الزمن في الطفولة وتسارعه في الكِبَر
لمَ كانت الدقائق طويلةً في باكورة عُمرنا؟ ولمَ أصبحنا لا ندركها بعد أن كبُرنا؟
لمَّا كنا صغارًا، اعتدنا الانكباب على اكتشاف العالم، فنسأل عن ماهية ذلك الشيء، ونقف على كيف يبدو ذلك الشيء الآخر. كنا آنذاك متصلين بمحيطنا بشكلٍ واعٍ، وكنا نحيا اللحظة بكامل تفاصيلها، بخفة أرواحٍ تحلّق كالفراشات، دون قلق مما مضى أو ما سيأتي، لذا كنا نحسّ بالزمن الفعليِّ الذي نحن فيه، بل ربما يبدو أبطأ أحيانًا بطريقةٍ مزعجة. لكن خلال فترةٍ ما، غادرنا هذا الشعور، وبتنا نحسُّ بأن الوقت يمضي بطريقةٍ لا نستطيع استيعابها، وبأننا نعيش في ماراثون أبدي مع الزمن.
لقد امتلأنا بمشاغل لا تنتهي حجبت قدرتنا على الانتباه للتفاصيل الصغيرة التي اعتدنا ملاحظتها في يومٍ ما، كما وقعنا في دوامة الروتين والاعتياد التي سلبت بريق حيواتنا، وصرنا نعبر خلال الأشياء بلا وعي، لأننا في عجلةٍ دائمةٍ من أمرنا، وقد حُمِّلنا بكمٍّ هائل من المسؤوليات، وغدونا مجبرين على التوفيق بين عدة مهامٍ في آنٍ واحد، حتى صار يُخيَّل لنا أن الوقت "يطير"، لا بل ويفرُّ منا كما يفرُّ المرء من المجذوم.
ارتباط سيرورة الزمن بحالتنا النفسية
يقول هنري فان دايك: "الزمن بطيء لمن ينتظر، سريع لمن يخشى، طويل لمن يتألم، قصير لمن يفرح، لكنه الأبدي لمن يُحب".
وهذا يعني أن إدراكنا للوقت ليس موضوعيًا، بل يتشكل وفقًا لحالتنا النفسية.
وأنا أذكر جيدًا المرات التي لم أطق بها صبرًا حتى انتهاء تلك المحاضرات المملة، والمرات التي جلست فيها في صالة الانتظار داخل العيادة، والصفوف الطويلة التي وقفتها حتى يحين دوري، بدا لي مرور الوقت آنذاك بطيئًا بشكل قاتل.
لكن على النقيض تمامًا، كان الوقت يسير بسرعةٍ جنونية لما خشيت أن ينقضي دون أن أتمكن من طيِّ آخر صفحة أراجعها قبل ساعة الاختبار، أو قبل انتهاء الوقت المحدد لتسليمي لإحدى المهام، رباه! كان يخيَّل لي في تلك الأثناء أن عقارب الساعة تقفز بلا هوادة.
ولكن ماذا عن سير الزمن في لحظات حزني وألمي؟ دومًا ما أحسه طويلًا، كأنما يزحف، عاجزًا عن بلوغ الساعة التالية، كما أحسّ بالدقائق تجثم على صدري، ثقيلة كالحجارة.
لكن في لحظات فرحي، يبدو أشبه بنسمة رقيقة تمرُّ بي دون أن ألحظ.
ومن خلال ذلك أدركت أن هنالك علاقة عكسية بين الرغبة والوقت، إذ في كل مرة رغبت أن تنتهي ساعات حزني وانتظاري، ظلَّ الوقت ثقيلًا، ولما توسلته أن يبقى مدةً أطول، غادرني محلّقًا.
ماذا تعني أبدية الزمن لمن يُحب؟
يعني أن الحب الحقيقي يمنح الزمن بُعدًا مختلفًا، لا يُقاس بالساعات والدقائق، بل بالمشاعر، فيصبح زمنًا سرمديًّا، مليئًا باللحظات الخالدة.
نحن عندما نُحب بصدق، يتلاشى شعورنا بالزمن، وذلك لأن الحبَّ يعلو على الخوف والحزن والانتظار والفرح اللحظي، فيمنحنا شعورًا داخليًا بديمومة اللحظة.
نظريات تفسر إدراكنا للزمن
هناك العديد من النظريات التي تفسّر طريقة إدراكنا للوقت من عدّة مداخل ومجالات، وسأذكر هنا النظريات التي قرأت عنها وارتويت بها حين فتّشت عن تفسيرٍ منطقيٍّ ومقنع لتساؤلاتي، وهي:
١- نظرية الساعة الداخلية
تقترح هذه النظرية أن لدينا في أدمغتنا آليةً تشبه الساعة، تُنتج "نبضات" منتظمة، وأن ارتفاع أو انخفاض وتيرتها هو ما يحدد مدى شعورنا بالزمن.
ففي حالات الترقّب والسأم تتزايد وتيرة تلك النبضات، فندرك الوقت على نحوٍ أبطأ، وذلك لأننا نسجّل كل التفاصيل.
لكن في حالاتنا المغايرة، تلك التي تتمثل بانشغالنا أو لحظات سعادتنا، تنخفض وتيرتها، فيمرّ الوقت دون أن نلحظ.
٢- نظرية المعالجة المعلوماتية
منطوق هذه النظرية أن إدراكنا للزمن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكمية المعلومات التي نعالجها خلال فترةٍ ما.
على سبيل المثال، خوضنا لتجارب جديدة سيُشعرنا بأن الوقت طويل، أما تكرار الأحداث والروتين فيؤديان إلى تقليص شعورنا بالمدة الزمنية.
٣- نظرية البوابة الانتباهية
تفترض هذه النظرية وجود "بوابة ذهنية"، يتحكم مدى تركيزنا على الوقت في فتحها أو إغلاقها.
سننتبه إلى الوقت في حالات الانتظار؛ لذا سنشعر ببطئه الشديد.
وعلى النقيض تمامًا، ستُغلق بوابتنا الانتباهية في فترة انشغالنا لأننا لا نسجّل مرور الزمن بشكلٍ واعٍ، وهكذا سيتبخر الوقت دون أن ندركه.
٤- نظرية نسبية الزمن أو الزمن اللوغاريتمي
يقول بول جانيت، الكاتب والفيلسوف الفرنسي، إن إدراكنا للزمن يتأثر بالنسبة التي تمثلها الفترة الزمنية من عمرنا الكلِّي.
أي أن اليوم الواحد في حياةِ طفلٍ حديث الولادة يمثل نسبةً كبيرةً مقارنةً بعمره الفعلي، ولكنه لا يمثل شيئًا يُذكر لمن يبلغ العشرين.
وهكذا، فإن مقدار اليوم والشهر والسنة في طفولتنا كان يمثل نسبةً كبيرةً من عمرنا الضئيل، لذا لم نكن نشعر بأن الوقت يمضي بهذه السرعة التي بتنا نشعر بها في الوقت الحالي.
كيف نستعيد إدراكنا للوقت؟
إن الزمن ثابت في جوهره، لكننا نحن الذين تغيّرنا، ولذلك عوضًا عن محاولاتنا المستمرة في سباق الوقت، نحن بأمسِّ الحاجة لأن نلتقط أنفاسنا، ونعيش حياتنا برويةٍ أكبر، وأن نتمعّن في تقاسيم أيامنا: كيف تتغيّر، وكيف تخبو وتزدهر.
لنبدأ بفعل الأشياء فرادى حتى نستمتع بها، ولنعد لتأمُّل ما حولنا، فجمال الوجود يكمن في تلك التفاصيل الصغيرة التي توقّفنا عن التطلُّع إليها.
شاركنا تعليقك من هُنا