جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2023.

جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2023.

الركض للتغلب على الألم

يحتاج العدّاء أن يتألم كي ينطلق للأمام. أليس هذا بالضبط ما يحدث أيضًا في كثير من جوانب الحياة غير سباق الماراثون؟

وقت القراءة المتوقع: 5 دقائق
[gpd]

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً

للاستماع للمقالة

بصوت:

محمد خوجلي

00:00 / 00:00

في سباق الماراثون، يركض العدّاءون لمسافة تُقدّر باثنين وأربعين كيلو مترًا، أي ما يعادل اثنان وخمسون ألف خطوة تقريبًا، طبعًا يتطلب منهم العديد من التجهيزات لهذا السباق بحد ذاته؛ يجب عليهم زيادة استهلاك الأكسجين في أجسامهم، وترطيبها بشكل كاف بالمياه، وأيضا المحافظة على صحة عضلاتهم ومفاصلهم. كل هذا يتطلب جهدًا غير الجهد المبذول في الماراثون نفسه.

هذا يدفعنا لسؤال واحد، ألا يشعرون بالتعب؟ 

السباق‏‏‎ ‎الذهني

لم قد يركض أحدهم لهذه المسافة الطويلة ويستغرق وقت طويل للتجهيز لهذا السباق بل وقد يرغب بعضهم في تحطيم أرقام قياسية سجلت من قبل؟ هذا مرهق بشكل كبير بلا شك. فما الذي يدفع العدّاء للاستمرار في العدو في لحظات الإنهاك الشديد؟

سأخبرك بهذا السر يا عزيزي القارئ، الماراثون هو سباق ذهني لا جسديّ، فبمجرد أن تنهك عضلات العدّاء، ويبدأ نفسه بالتثاقل ويشعر بالتعب شيئا فشيئا، يبدأ سباقه الحقيقي، هنا في هذه اللحظة يجب عليه إثبات قدرته وقوة عقله لكي يبلغ خط النهاية، لذلك يستخدم ألم عضلاته كوقود لدفعها للأمام، فتنفجر الطاقة بداخله ويواصل الركض دون توقف، فحينما يتعب جسده يبدأ الماراثون الحقيقي. قد يبدو هذا جنونيًا للحظة، لكنه في الحقيقة ما يحدث! فمهما كانت اللياقة البدنية عالية، والتدريب شاقًا، فإن نجاح أي بطل رياضي يتوقف بشكل كبير على قوته الذهنية، وهذا ما تقوله الصحفية العلمية سارة كيتينغ، في مقالة لها عن قوة تحمل الأبطال الرياضيين.

يقول كرنازيس وهو عدّاء خبير في السباقات الطويلة: “تأتي لحظات تشعر فيها بقوة هائلة وكأنك قادر على مواصلة الركض إلى الأبد، ثم سرعان ما يتبدل الحال وتشعر أنه لابد من التوقف لشدة الألم وتكاد لا تقوى على المضي خطوات أخرى، ثم تدفع بنفسك مجددا كاسرًا هذا الحاجز بطاقة جديدة ومتجددة”.

وهذا دليل على مدى تأثير التفكير الذهني الإيجابي في تجديد الطاقة والدفع للأمام في أصعب الأوقات، والعكس كذلك!

الألم‏‏‎ ‎دافعًا‏‏‎ ‎للركض‏‏‎ ‎في‏‏‏‏‎ ‎الحياة

يحتاج العدّاء أن يتألم كي ينطلق للأمام. أليس هذا بالضبط ما يحدث أيضا في كثير من جوانب الحياة غير سباق الماراثون؟

في رحلة الحياة، كل إنسان له أحلامه ورغباته وطموحاته منذ أن كان رضيعًا، فرغباتنا تبدأ  بتتبع أصوات والدينا والتعلق بهم، إلى أن نصبح موظفين وظيفة مرموقة تناسب تخصصاتنا الجامعية وغيرها من الرغبات التي لا تنتهي، لا شك أن هذا الطريق لم يكن معبدًا بالحرير ومنثورًا بالورد، فقد واجه كل فرد مصاعب في رحلته الطويلة هذه، فكمْ من مرة سقط طفل من فوق الأريكة على رأسه الطري محاولة منه لينزل من فوقها؟ ولربما أصيب بعضهم بارتجاج في المخ لشدة سقوطه! سيكون من الطبيعي أن نعتقد أنه لن يحاول النزول مجددًا من فوق الأريكة، لكن ذاك الطفل عاد يحاول مرة أخرى في اليوم التالي، أو حتى بعد استيقاظه مباشرة بعد نوبة بكاء شديدة أدخلته في سبات عميق.

مجددًا، ما الذي يدفع هذا الطفل لأن يجرب مرّة أخرى على الرغم من الألم الذي أحل به وبرأسه؟ هذا الألم بذاته كان الوقود لهذا الطفل، أو ربما أنه لم يفكر كثيرًا في سقوطه بقدر رغبته في تحقيق صعوده.

حينما نتألم ونعاني، يدفعنا الألم لأن نكمل السير لا لأن نستريح. نعرف أن هناك شيئًا ينتظرنا مما يدفعنا لأن نكمل على الرغم من أننا نتألم. أنا أعرف، هذه لا تبدو كفكرة إنسان عاقل! ودائما ما ينصحنا الطبيب بالراحة حينما نتعرض لإصابة معينة. وهذا ما نفعله فعلا حينما تكون الإصابة جسدية، لكننا في نهاية المطاف نتناول الدواء المر، أو نمارس حركة كالمشي أو معقدة كتمارين العلاج الطبيعي على أمل أن نتخلص من هذا الألم ونشفى بشكل أسرع من عدم فعل أي إجراء تجاه تلك الإصابة. بالمثل حينما تكون إصابتنا نفسية وذهنية، ألم تلك الإصابة يجعلنا نستمر بالمحاولة مع أن ذاك الألم يقطع أفلاذنا. والإصابة الجسدية تستطيع أن ترى نتائج امتثالها للشفاء أسرع من الإصابة الذهنية.

تحويل‏‏‎ ‎الألم إلى‏‏‎ ‎طاقة

لم نأخذ الدواء؟ ولم يركض العدّاء؟ ولم يُعد الطفل المحاولة؟

نحن نرغب بالتغيير لوضع أفضل، لا نريد لهذا التعب أن يستمر، أو لهذا الوضع الذي نمر به الآن أن يدوم بنا طويلا، نحن نريد أن نرتاح ونريد أن نصبح سعداء وراضين عن وضعنا الحالي، ولهذا نحن نستمر بإنهاء الأوراق الروتينية، ونستمر بالدراسة للاختبارات الدورية، ونستمر بادخار مبلغ شهري، ونخبز ذات الوصفة التي احترقت سابقا؛ لأننا نعرف أننا سنصل إلى نتيجة بالأخير. باختلاف ما يقض مضجع كل منا، نحن نتفق بأن الوصول غالي الثمن، فأنت لا تستطيع شراء تذكرة مباشرة على درجة رجال الأعمال على الخطوط القطرية لبلوغ خط النهاية. أنت تحتاج ثمنًا أغلى من ذلك في الحقيقة. وذاك الثمن هو المرور بالطريق الصعب بحد ذاته على الرغم من الوجع الذي تشعر به لا بتفادي الطريق.

عقليتك هي ما تحوّل ألمك إلى طاقة، الأفكار التي تحشو بها رأسك ستساعدك لأن تقف على قدميك الدامية مجددًا. فحينما تثق بنفسك، وتدرك أنك تمر بوقت صعب بلا شك لكنه سيمضي وستتجاوزه، وتثق بأن هناك أمدًا طال أم قصر لهذا الوضع الذي لا يرضيك، حينها  ستبدأ الماراثون الحقيقي الخاص بك وتركض! 

قد تظن أنك لا تمتلك هذه القوة الذهنية الكافية، وأن ما أتحدث عنه هو شيء بعيد المنال وتحتاج الكثير للوصول إليه، وأنت محق، لا أخفيك! لكنك تصوم دائما وأنت متيقن، على الرغم من جوعك وعطشك، أن وقت أذان المغرب قادم لا محالة. فلم لا تركض وأنت متيقن على الرغم من إنهاكك، أنك ستصل لخط النهاية لا محالة؟

نحن البشر  بطبيعتنا نستمر في المحاولة حتى نصل؛ لأن الوقوف في ذات المكان والبكاء لن يحل شيء، لكن المقاومة ومحاولة فعل شيء ما وإحداث تغيير هو ما يساعدك على التخلص من ذاك الألم، وإن لم تتخلص منه فعلى الأقل لن تشعر بتأنيب الضمير على عدم امتلاكك الشجاعة الكافية للمحاولة.

25
0

اختيارات المحررين

اشتراك
تنبيه
guest
1 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

عن النفس
في عالم حديث يولّي اهتمامًا بالغًا للصورة وللظهور السطحي، ينخدع الإنسان في هذا العصر بمثاليته، يحترف التبرير وإخفاء ظلامه، حتى ينكر وجود هذا الجانب المظلم، وإلا فلماذا يقدم أشخاص عاديون مسالمون على القيام بأفعال شنيعة؟

وقت القراءة المتوقع: 5 دقائق
عن التطوير الذاتي
تعلمتُ أن أقبل مرور الأيام الرتيبة والسعيدة على نحوٍ واحد، بقلبٍ يتّسع لكل هذه المشَاعر الساحرة والعاتية.

وقت القراءة المتوقع: 8 دقائق
عن التشافي
نحتاج لإعادة الاتصال بالأرض حتى نقوّي ارتباطنا بالحيز الذي ننتمي إليه فنفهم ذاتنا أكثر، ومن ثَمَّ نُقاوم الملل عبر إثراء المعنى في حياتنا.

وقت القراءة المتوقع: 12 دقيقة

أحداث قد تناسبك

تُغذي الصمت

مَشفى

صيام عن الكلام لمدة ثلاث أيام . عقلك الذي لايهدأ ، نعدك أن يصمت تمامًا .

قراءة المزيد
تُغذي العقل والحالة الإجتماعية

يوم الفيلة

في ليلة مُتكاملة تمتد لثلاث ساعات ، نقدم للمجتمع من خلاله أعمالنا الإبداعية الكاملة ، نستضيف ضيوف مُلهمين لنقيم ليلة ثقافية – ابداعية لاتنسى في بيئة تنتمي لها وتنتمي لك.

قراءة المزيد

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً