النقد الذي حتمًا سيمر بك في كل موسم رمضاني احتجاجًا على الدراما المعروضة؛ ففي كل عام لا ينفك البعض عن محاولة مَنطقة الدراما، وعكس ما يحدث في تفاصيل القصة على أفراد مجتمعه، وهذا ما جعلني أتساءل: لماذا يبحث المشاهد (الخليجي على وجه الخصوص) عمّا يمثله في أعمال من المفترض أن تنقله إلى عالمٍ متخيّل؟
لم يعتد المشاهد الخليجي بعد على تلقّي أعمال متخيّلة تشبهه في النبرة والصوت وتختلف مع قيمه وأخلاقه، فبالرغم من تاريخ الدراما الخليجية القديم، إلا أن زخم الإنتاج وجرأة الطرح في الماضي لا يقارنان بكثافة الإنتاج وجرأته الحالية، وهذا ما جعل النزاع حول السيناريوهات المتخيّلة قائمًا في كل مرة. فالدراما في وعي المتلقي الخليجي ترتبط بفكرة تمثيل قيم مجتمعه ونقل تصورٍ إيجابي عنه، فلا يُستهلك العمل بوصفه عملًا دراميًا متخيّلًا يعتمد على جودة الحبكة وتصاعد الأحداث فحسب، وإنما كصورة منطقية لما يعيشه ويشاهده في واقعه، وبذلك يبدو أي عمل درامي يعرض أحداثًا خارج إطار ما يراه في واقعه محلَّ جدلٍ واعتراض.
مسلسل “شارع الأعشى” على سبيل المثال، نجح في عرض تفاصيل الواقع السعودي في السبعينيات، وأعاد المتلقي إلى حقبة زمنية يألفها، من تفاصيل الأزياء واللهجة إلى محاكاة بعض الوقائع التي حدثت في تلك الفترة، إلا أن الحبكات الدرامية في القصة تعارضت مع الصورة الذهنية للنساء في ذلك الزمان، فلم ينجُ المسلسل من مطالبات بأن يتماشى مع الواقع، ورغبةِ البعض في رؤية شخصيات مثالية تحاكي أمهاتهم وآباءهم، وتتماشى مع واقع النساء في ذلك الزمان.
تلك الرغبة في رؤية شخصيات وأحداث مثالية قد تنبع من صعوبة الفصل بين الفرد والمجتمع؛ فحتى وإن تطرقت الدراما إلى سلبيات موجودة (كأبٍ معنف أو فتاة متعاطية)، يظل بعض المشاهدين أسرى فكرة أن هذه الشخصية انعكاس مباشر لهم ولمن حولهم، فيرفضون الاعتراف بوجود قضايا قد يعيشها آخرون. ويتحول العمل من قصة متخيلة إلى تهمة موجهة، ومن مساحة سرد درامي إلى ساحةٍ للدفاع عن صورةٍ أخلاقية يرغب المتلقي في تثبيتها.
إن مطالبة الكاتب بتقديم أحداث واقعية ومطابقة لما نعيشه ليست إلا تضييقًا لخياله، وحدًّا من تطور الفن؛ فالعمل الدرامي ليس مساحة توعوية، بل مساحة سردية تُتاح فيها حرية التخيل.
يقول الكاتب سمير عبده: “تصوّروا ناقدًا يناقش شكسبير بأن الوقائع التاريخية تُبيّن أنه لم يحكم الدنمارك أميرٌ يُدعى هاملت، أو بأن الحقائق العلمية تُثبت أن الأشباح لا وجود لها، لأن أرواح الموتى لا يمكن أن ترجع إلى هذا العالم”.
لطالما كانت الكتابة الروائية والقصصية مزيجًا بين محاكاة الواقع وتعزيزه بأحداثٍ خيالية لا تمثله بالضرورة، فالكاتب لا ينقل المجتمع كما هو، بل يعيد تشكيله، ويختلق شخصيات تتفاوت في خيرها وشرها، ليخلق حكاية قادرة على الإمتاع.


