جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2025

اللعبة غير المرئية: لماذا يفوز البعض ويتراجع آخرون في بيئات العمل؟
2 شباط
المال والأعمال

اللعبة غير المرئية: لماذا يفوز البعض ويتراجع آخرون في بيئات العمل؟

2 شباط

|

المال والأعمال
بدعم من

في المجتمع الإسلامي المحافظ في غالِبِه يُربّي أبناءه على الكثير من الصفات الحميدة، منها (الصدق، والأمانة، والطيبة) ولكن مثل هذه التنشئة الحميدة تَصطدم بواقع يُبيّن لك غير ذلك، وهنا أتحدث عن بيئات العمل في صورتها الحداثية الجديدة.

في أحد الأيام يأتي موظف جديد إلى مكان العمل، ترى عينيه وقد اتقدت حماسًا منقطع النظير، يتطلّع لتولي زمام المسؤوليات على عجلةٍ من أمره، فتراه يسأل عن كل شاردة وواردة، ولا يفوته مثقال ذرة، بل يأتي في يومه الثاني وهو مُحمّل بأطنان من الأسئلة حول ثقافة العمل وسياساته المُتّبعة.

ولأنه لم يكن وحده في الغالب عند التوظيف، يأتي معه ثُلّة من الموظفين الآخرين الذين انضمّوا إلى المؤسسة مؤخرًا. تمرّ الشهور والسنوات الأولى كالبرق على الجميع، وهم لا يرون أنفسهم إلا وكأنهم يحبون حبوًا، فما زال حبّهم للاكتشاف والمعرفة في أوجه، ولم يَخفت لديهم مطلقًا.

يتفاجأ صديقنا بعد فترة من الزمن بأن زميله قد كوفئ مكافأةً مجزية لقاء عمله الدؤوب، ليحصل على شهادة شكر في نهاية العام تُمكّنه من اعتلاء المسرح ليصبح في دائرة الضوء، وَيُقْصَى صاحبنا بعيدًا عنه، فتكون أول طعنة في الخاصرة، مع سؤال يدور في البال، وليس له جواب: (لماذا هو، وليس أنا؟).

يستمر صديقنا في سعيه لأن يكون موظفًا مثاليًا في سنته القادمة، ملتزمًا بما ورد في (كتاب السياسات)، كيف لا، وهو الذي يظن بأنه يحفظه عن ظهر قلب، ويطبق ما فيه بحذافيره، ولكن ربّما فاته شيء من التطبيق في مواضع متفرقة؟!

تركض سنوات متتابعة أخرى ليكتشف بعد فترة طويلة للغاية أن من كان في دائرة المدير مثل (زميله) قد حَظي بدعم فاق التوقعات، ليعود السؤال على الطاولة مرة أخرى: (لماذا هو، وليس أنا؟) ولكن هذه المرة بطريقة أكثر تحليلًا وبحثًا!

ماذا يحدث في العالم بالضبط؟

وفقًا لتقرير نُشر في عام 2025 م عبر مؤسسة Gallup، المختصة في الأبحاث والاستشارات المهنية، أن الارتباط المهني للموظفين انخفض ليصل إلى 21% عالميًا، وهو ثاني انخفاض ملحوظ بعد الأزمة العالمية التي هزّت السوق العالمي في عام 2008 م، وقد أشار التقرير إلى أن الانخفاض المرتبط بالعمل له عواقب اقتصادية تدفع مقابله الشركات مبالغ تصل إلى 438 مليار دولار أمريكي.

مثل هذه الأرقام تكشف بما لا يدع مجالًا للشك عن أزمة عالمية تتشكل في علاقة الموظفين بأعمالهم، فمن جملة الأسباب التي أدت إلى ذلك: سوء التواصل في منظومات العمل، وضعف الثقة بالقيادات العُليا، وغياب التوقعات المطلوب إنجازها من قبل الموظفين.

وهذا يؤدي بالضرورة إلى العمل وفق ثقافة ضمنية “غير مكتوبة” لا يُوضَّح فيها ما هو مقبول وغير مقبول في بيئات العمل، لتكون أبرز تداعياتها ضعف الإنتاجية وخسارة المقدرات المادية والبشرية.

ما هي اللعبة الخفية؟

في دراسة إحصائية مُعتبرة دمجت عدة دراسات حول موضوع واحد بعينه تُسمى Meta-analysis، قاست إدراك الموظف بوجود السياسة التنظيمية، ومدى تفاعله معها في العام 2009 م.

 وجدت الدراسة أن عددًا كبيرًا من العينة البحثية لا يُستهان به مؤمنون بالفعل بوجود سياسات غير موضوعية، فهم يُقرّون بأنها بُنيت وفق تحالفات ومحسوبيات وأعراف ضمنية داخل مؤسساتهم التي يعملون بها، فكانت النتيجة انخفاض الرضا والالتزام الوظيفي، وزيادة النِّسب في نوايا ترك العمل والتسرب منه.

لماذا يجب ألا تأكل بمفردك؟

جميع ما توصلت إليه الدراسات الأكاديمية آنفًا لا يختلف عمّا أشار إليه كيث فيرزاي في كتابه الشهير “لا تأكل بمفردك”. فالنجاح المهني لا يعتمد على الكفاءة الفردية، بل هو نسيج متشعب من شبكة العلاقات التي يملكها الأفراد.

 فيرزاي يرى في كتابه أن بناء العلاقات هو القانون غير المُعلن الأهم في بيئات الأعمال، وأن من يُتقن فن هذه اللعبة سوف يفتح لنفسه أبوابًا لا توفرها القوانين الرسمية المكتوبة.

ففي التقرير الصادر عن مركز ابتكار المواهب Coqual(مؤسسة غير ربحية متخصصة في شؤون التنوع والاندماج وتطوير المواهب في بيئات العمل)، المنشور في العام 2019 م، أشار أن وجود راعٍ متنفذ (Sponsor) في الجهة التي تعمل بها، يقاتل من أجلك ويقوم بالغالي والنفيس، هو ما سيوفر لك الغطاء السياسي الآمن من أجل الترقي في السلم الوظيفي الذي تُمنّي نفسك به سنين طويلة.

وبهذا لا يرى المدير أن ما قام به فوق القانون، إنما نظرة ثاقبة تصطاد المواهب الذين ينهضون بالمشاريع بالغة التعقيد، وتؤمّن شبكة من المواهب للمدير المتنفذ، وتوفر رضًا وظيفيًا أعلى له في المقام الأول ولهم ثانيًا، حتى لو ذكر التقرير أن 71% من المدراء المتنفذين سيختارون الأفراد المنتمين لهم عِرقيًا وثقافيًا على حساب الموظفين الآخرين.

ماذا حدث لصديقنا في بداية المقالة؟

بعدما طحنت الحياة صاحبنا الموظف، وعجنته، يُدرك حقيقة كبيرة في مغزاها “أن من تعرف في بيئة العمل أهم بكثير مما تعرف في حقيقة الأمر” وأنه مهما بلغت كفاءتك عنان السماء، من دون غطاء إداري داعم في مؤسستك التي تنتمي إليها لن تجد منفذًا يساعدك على أن ترضى وتسعد وظيفيًا، ولا يمكن ذلك دون تعلم بعض الحيل العاطفية مثل ممارسة فن التغافل، ومعرفة متى تمدح، ومتى تلتزم الصمت إن دعت الحاجة، حتى لو كان ذلك عكس ما تربيت عليه من صدق وأمانة وطيبة في بعض الأوقات!

لنأتِ إلى سؤال مهم هل يمنح هذا الوعي المتأخر صديقنا فرصة ليتطور، أم أن واقعه غير الشفاف سيوقفه في مكانه بلا حراك؟

5
0
اشتراك
تنبيه
guest

0 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

اعتناق اللاشيء في عالم غير محايد
13 كانون الثاني
النفس والعاطفة
5 دقائق
نسبية السعادة
10 تشرين الأول
النفس والعاطفة
3 دقائق
العودة إلى الداخل
20 تشرين الأول
النفس والعاطفة
6 دقائق

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً