يَغْلِب على أفراد المنظمات المهنية الطابع الحَدّي والتنافسي، تحديدًا بين من هم دون سن الخامسة والثلاثون عاما. هذا الشعور المُفعم بفَورة من النشاط، والسعي في إثبات القدرة على العمل، والنمو المهني المصاحب للتغلُّب على العقبات التي تواجه الموظفين الجدد، له نتائجه الفريدة من نوعها على أرض الواقع.
عبر السنين يَتمايز الموظفون بعضهم عن الآخر، فتجد أحدهم وقد ازدادت مهاراته تبعًا لسنوات خدمته في المنظومة، فتراه يُتقن المهارات الأساسية في العمل. ونظيرًا لهذا الإتقان والاجتهاد المنقطع النظير والمتميّز عن البقية، تتم ترقيته إلى منصب إشرافي أعلى من زملائه. وهذه المكافأة السخية، في المنصب الوظيفي والعائد المادي منها، هي ثمرة التزام الموظف غير العادي، ذو العزف المنفرد الذي يُغرّد خارج السرب.
ولكن لا يلبث صديقنا في منصبه الإشرافي طويلًا، حتى تتداعى عليه أعباء القسم، وتنهار علاقته بباقي زملائه، وينفصل ذهنيًا عن الواقع، فيبقى حبيس مكتبه لإطفاء نيران الخلافات، ويعود إلى منزله بكمّ هائل من الأعمال المعلّقة، عوضًا عن المشكلات المتراكمة التي لم يجد لها حلًّا جذريًا منذ أن تقلّد منصبه الإداري الجديد.
بعد كل هذه التخبطات، يطرأ في ذهني سؤال جوهري: ما هي المشكلة الحقيقية في مثل هذا النموذج الإداري؟ وهل هي مجرد ملاحظة عابرة تُرى في بيئات العمل، أم أنها في حقيقة الأمر ظاهرة عالمية؟
ما هي نظرية بيتر في الأعمال؟
في عام 1968 م صاغ الدكتور لورنس بيتر مبدأ حمل اسمه ، ذلك المبدأ اتسم بطابع نقدي وتهكمي تجاه المؤسسات المهنية آنذاك، ينص المبدأ على أن “الطبقة العُليا هي التي ترتقي حتى تفسد”.
بمعنى أن الموظف صاحب المهارات الاستثنائية يصبح مديرًا هشًّا وضعيفًا ببقائه في منصب لا يصلح له من الأساس، وعندئذٍ تتوقف لديه مظاهر الاستحقاق، ويخضع للأمر الواقع المتمثل في فشله في احتواء المهام الإدارية الصعبة؛ من قبيل (تفويض المهام للآخرين، والتعاطف مع الموظفين، ومنحهم الثقة الكفاية من أجل تمكينهم وتطويرهم.) لتصبح المعادلة الأولية:ليس بالضرورة أن يكون كل موظف مُجتهد، قائد ناجح.
ومع توالي العقود منذ الستينات الميلادية، أثبتت هذه النظرية صحتها في العالم المهني، ولم تبقَ مجرد ملاحظة عابرة في سياقها الزمني، لأنها اختُبرت لاحقًا على نطاق واسع!
ما هي علاقة الترقية المهنية بنظرية بيتر؟
في ورقة علمية نُشرت من جامعة مينيسوتا بمشاركة آلان بينسن، ودانيللي لي، وشو، والصادرة عام 2018م، طُرح من خلالها تساؤل مهم: “هل تُرقّي الشركات أفضل منفّذ للأعمال أم أفضل مدير مُحتمل؟”
شملت العينة البحثية أكثر من 53 ألف موظف يعملون في الولايات المتحدة الأمريكية في قطاع المبيعات تحديدًا، من بينهم 1531 حالة ترقية شهدتها منظوماتهم المهنية ما بين الأعوام 2005-2011م.
أوضحت نتائج الترقيات أن الموظف الأفضل والأكثر اجتهادًا في عمله من الناحية الرقمية، هو من تزيد فرصه في تلقي ترقية سخية لقاء عمله بنسبة 14.3% مقارنةً بالأقل حرصًا والتزامًا من جملة الموظفين الآخرين.
ولكن – وهنا مربط الفرس – وجدت الدراسة في نفس قطاع المبيعات، الذي شهد ترقية موظفيه المجتهدين، انخفاضًا ملموسًا في مبيعات المرؤوسين (وهم الموظفون الذين خضعوا للإشراف) بنسبة 7.5%. لتكون الخلاصة أن التفوق في الأداء كموظف منفرد لا يعني بالضرورة نجاحه في تمكين فريقه والارتقاء بهم.
وعلى النقيض، حين تتم مراقبة سلوك الموظف قبل تعيينه في منصب إداري من حيث روح التعاون مع الفريق وتلبية النداء عند الحاجة – لا من حيث أرقامه الخارقة – تكون تلك علامة ظاهرة على أنه مدير صاحب إمكانيات تلوح في الأفق، وقادرعلى تولّي زمام الأمور، والارتقاء بنتائج فريقه إيجابًا بنسبة تتراوح ما بين 12-17%.
توضح هذه النتائج أن المدير صاحب الصفات القيادية المحتملة هو من يملك مهارات التعاون والتفهّم لحاجات الفريق، لا من يحققأرقامًا قياسية.
هذه النتائج هي في سياقها تعود لظاهرة عالمية، ولكن كيف يبدو المشهد لدينا محليًّا في السعودية؟
هل نحن مختلفون في الجانب الإداري مقارنة بالعالم؟
في دراسة للدكتور فيصل البواردي من جامعة القصيم، نُشرت في مجلة العلوم الإدارية والاقتصادية في عام 2020م، قاست مدى استعداد الأجهزة الحكومية لاكتشاف القيادات المهنية الواعدة وتطويرها.
شملت العينة البحثية 175 مديرًا ومشرفًا يعملون في الجهات والهيئات الحكومية في المملكة العربية السعودية، اختبر المشاركون العديد من الجوانب الإدارية ومنها متطلبات الترقية (الجدارات، والأقدمية، والدورات). وكانت النتيجة أن الترقيات تعتمد على آراء المدراء من الدرجة الأولى وبنسبة 68.6%، مع موثوقية أقل تجاه الكفاءة، أو الجوانب الأخرى المعتمدة على الموظف قبل ترقيته لمنصبه الذي يشغله.
فإن كانت النتيجة محليًّا مشابهة للنموذج العالمي، فلماذا تستمر المنظومات في ترقية غير المؤهلين؟
ما هو الفخ الذي يصاحب ترقية الموظف؟
في محاضرة لجلين ويسنجر بعنوان (احذر من فخ الترقية) وهو صاحب خبرة امتدت إلى 36 سنة في صناعة الطيران والتخطيط الاستراتيجي أوضح من خلالها أن ترقية الموظفين نتيجة أعمالهم هي بمثابة مكافأة ترضية من أجل الاحتفاظ بهم، ولكن في أثناء ذلك لا تتم الإجابة على السؤال الأهم: (هل المدير المحتمل مهيأ لتقلّد هذا المنصب من الأساس؟).
من خلال حديثه أشار بصراحة إلى أن الموظف الذي لا يختبر نفسه في المجال القيادي سيكون عرضة للجمود المهني، إذ أن سنين عمله ستضيع هباءً دون عائد وأثر ملموس، ليكون أسير “مبدأ بيتر”.
لذا فقد دعى كل موظف لأن يسأل نفسه أسئلة مفصلية وعميقة في إجاباتها، منها:
- ما هي وظيفة الأحلام التي ترغب بها بشدة؟
- إن لم تجد إجابة، فاسأل نفسك: ما هو الكابوس الذي تكرهه في العمل؟ فبهذه الطريقة تصل إلى إجابة السؤال الأول.
- ما هي أبرز السمات التي تميّز هذه الأحلام؟
- ما هو صندوق الأدوات الذي سيعدك لتحقيق هذه السمات؟
- كيف توسّع نطاق خياراتك المهنية (Board opportunity) بدل من حصرها في مجال ضيّق؟
أخيرًا: كيف تنتقد أي عرض وظيفي (Career promotion criticism) وتعرف هل ترفضه أم تقبله؟
في نهاية المطاف، لا تُقاس قيمة الترقية بما تمنحه من لقب أو عائد مادي فحسب، بل بما تتيحه من نمو شخصي ومجال أوسع للتأثير، فمبدأ بيتر، والأبحاث العالمية، والدراسات المحلية كلها تُجمع على حقيقة واحدة: أن الاجتهاد وحده لا يصنع قائدًا، وأن أخطر ما قد يواجه الموظف هو أن يجد نفسه في منصبٍ يُكبّله بدل أن يفتح له آفاقًا جديدة.
لذلك، قبل أن تحتفل بأي ترقية، تذكّر أن السؤال الأهم ليس: “كيف وصلت؟” بل: “إلى أين ستأخذني هذه الخطوة؟” وهل ستكون جسرًا للنمو والقيادة الحقيقية، أم مجرد قيد يُبقيك أسيرًا عند مستوى عدم الكفاءة؟


