جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2025

سحر التأمل
13 تشرين الأول
الأدب والفلسفة

سحر التأمل

13 تشرين الأول

|

الأدب والفلسفة

تمرّ كل يوم في طريقك المعتاد على مئات المواقف والمناظر والعبر والحكايا التي تستدعي وقفةً متمهلةً تجمع فيها القطع المتناثرة كي تظفر بالمعنى؛ لكنّك في الغالب تجتازها بسلاسةٍ فائقة وتنسى أن تنتبه لها، ليس لأنّك لا تريد، ولكن لأنّه – ليس ثمّة وقت لذلك – فالمسألة لا تتعلق بالإرادة من عدمها بقدر ما هي أشبه بحالة فوقية تكاد تكون مفروضة عليك فرضًا. 

 

هل فكّرت يومًا أن تنتفض قليلًا على حالة الاستنزاف الجماليّ هذه كي تلتقط تلك المشاهد العابرة وتتأمّلها في هدوءٍ ورويّة؟ هل تساءلت عن الكمّ الهائل من التفاصيل التي تفوّتها كل يوم في غمرة انشغالك؟ وهل خطر ببالك أنّ العمر ضاع هباءً في ركضٍ مستمرّ لا نهاية له؟ كما يصف بيونغ شول هان «لم تكن الحياة يومًا عابرةً مثلما هي اليوم، ليس فقط الحياة البشرية، ولكنّ العالم بشكلٍ عام أصبح سريع الزوال».  

 

التأمل طريق الحرية 

في كتابه البديع «خلاص الجمال»، ينبهنا بيونغ شو هان بأنّ نمط الحياة الحالي يريد أن يوقف شعورنا بكلّ مظهر من مظاهر الجمال إن لم يكن بالمواصفات التي تسطّرها الرأسمالية. ثمّة عولمة متفق عليها حتّى في المناظر التي يجب أن تثير انتباهنا وتنال إعجابنا، وهي المناظر ذاتها التي غالبًا ما تكون مجرّدة من أي اطمئنان نفسيّ، لأنّه يتناقض مع ما يريده نمط الحياة الحديث من استهلاكية شرهة وإنتاج لا حدود له. يذكرني ذلك بقول نيشته: «عبر القضاء على لحظات الطمأنينة والصفاء، تتحول حضارتنا إلى بربرية من نوع جديد، فالزمن النشط الذي لا يعرف استقرارًا وتغيب عنه لحظات التأمل يفضي بعالمنا إلى كارثة محققة». 

الأمر يفضي كذلك إلى نوع من الاستعباد؛ فكيف يشعر بالحرية من لا يملك من وقته ثوانِ معدودة، فقط ليلتفت إلى ما حوله؟ التأمل – بشكلِ ما – طريق نحو الحرية، أنت لست رهين اللحظة، ولا الفكرة السّائدة، ولا الواقعية الجفّة ولا المكان، أنت تفلح في اقتناص العبر والإشارات وسط كلّ حرّاس المادية الطاغية، وهذا يجعلك حتمًا حرًّا طليقًا، غير ملزمٍ بالتعاليم المتسارعة، غير محتجزٍ في قفص الهرولة. 

الوقت المستقطع مهمّ كذلك لترتيب الأفكار وتشكيل معالمها. كيف يمكن للمرء أن يفلح في بناء قاعدة فكرية شخصية سليمة على الأقل إن لم يتوقف قليلًا ويتدبّر؟ ولم تكن له فترات يعرض فيها عن الهرولة حتى يربط المعطيات الملتقطة بعضها ببعض، لينجح في تكوين فكرة ما؟ نمط الحياة الحديث يفضي إلى التوقف عن التأمل، ليوقفنا عن التفكير، ويجعلنا بالضرورة رهائن العمل الذي لا ينتهي. 

تعزّز الرأسمالية بذلك مفهوم الأنا والفردانية بشكل رهيب، بشكلٍ لا تسمح فيه للمرء أن يركّز على ما لا يتعلّق به، أن يهتمّ قليلًا بما لا يخصّه، أن يمنح شيئًا من العناية لما يتعدّى دائرته الشخصية: للمواقف، والشوارع، والأشخاص والجمادات. هذه الفردانية لم تفقدنا فقط قدرتنا على التأمل، بل قدرتنا على الإنصات كذلك. لم يبق للمرء صبر وطول بال على سماع التفاصيل، فحتى المحادثات اليومية في الواتساب، أو فيديوهات اليوتيوب صارت مزوّدة بخاصية التسريع. يقول بيونغ شول هان: «تستند هبة الإصغاء إلى إمكانية إبداء اهتمام تأمليّ عميق؛ وهو ما لا يمكن للأنا مفرطة النشاط القيام به».

 

أفلا يتدبرون، أفلا يتأملون؟

كثيرة المواضع القرآنية التي حثّت المرء على التأمّل والتدبّر، حتى ارتقت به إلى مستوى العبادات. وحده هذا الفعل يمكن أن يقودنا إلى الحقيقة المنشودة التي نطيل البحث عنها، وحده يعيننا على تلمس مواضع النور في الظلام، واستشفاف كنه الأشياء وغاياتها. ثمة دعوة إلى التفكر والتدبر والتعقل والنظر، «أفلا يتدبرون»، «أفلا تتفكرون»، «أفلا ينظرون»، أفلا يتأملون؟

ماذا يمكننا أن نفعل إذن ونحن نعلم أنّ الحياة الحديثة تفرض علينا -بشكل أو بآخر- شروطها وتحجز من أوقاتنا ما يكون سبيلًا للتأمل؟ يمكننا أن نختلس مواقف النظر، ثمّة جمال لا يمكن تفويته، ثمّة حكايات لا يجب أن تدعها تمرّ، تأمّل السماء في طريق الكادحين، كيف تتقلب أحوالها كتقلب أحوال البشر، تأمّل الوجوه في زحام العابرين، كيف ستقدر على أن تطالعها كما تطالعُ صفحاتٍ من الورق، تأمّل كيف يُدرك المعنى بين السطور في كتب العارفين، كيف يَنفذ جزء من جملةٍ إلى أعمق نقطة في فؤادك، تأمّل كيف تنساب القطرات، كيف تدور الزخرفات في فضاءٍ لا حدّ له، كيف تسعى باتجاه عالٍ كأنّها تسعى في علوّ إلى الله الذي لا أول له ولا آخر.

تأمّل كيف يتسلّل شعاع النور من الظلام، كيف تولد براعم الزهر، وتتساقط أوراق الشجر، كيف تأتي الولادة من رحم الفناء. تأمّل كيف تنسجم أصوات الطبيعة فتشكّل سمفونيةً شجيّةً تغدو معها في قمة التغنّي والطرب، تأمّل تقاسيم الجدّات، ودعاء الأمّهات، وكيف تنسج الحكايا في الأزقة الشعبية والأسواق والحارات. تأمّل رعشة المحبّ حين يذكر اسم محبوبه، وأسئلة الطفل الملحّة عندما يعتريه الفضول، وأحوال المارّة المتباينة في الطرقات. تأمّل كيف تغلب انتصارات صغيرة كبار الهزائم، كيف يحاول المرء أن يحيا رغم الحزن والألم، كيف تتكرّر الأمور ذاتها. تأمّل العبر من الأحداث السالفة والجارية، كيف ترمى أمامك الإشارات واحدة تلو الأخرى كي تفلح في النظر، وأنّ المواقفَ التي تجري أمامك لا تحدث عبثًا كما يقول الخالق عزوجل «إنَّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد». 

فلا تدع التفاصيل تفوتك، ولا تستسلم لمدّ السرعة الجارف، ولا تسمح له أن يسلب منك دهشتك وتواصلك مع الطبيعة، فتريث قليلًا، وأطلق العنان لتأملك. 

 

29
0
اشتراك
تنبيه
guest

3 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

بكم لو سمحت
21 آذار

|

النفس والعاطفة
وقت القراءة: 3 دقائق
الدوران نحو مسقط رأسك
5 أيار

|

الأدب والفلسفة
وقت القراءة: 8 دقائق
خطة عاجلة لعيدٍ سعيد
10 نيسان

|

النفس والعاطفة
وقت القراءة: 6 دقائق

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً