جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2025

اختفاءٌ افتراضيّ
23 نيسان
النفس والعاطفة

اختفاءٌ افتراضيّ

23 نيسان

|

النفس والعاطفة

قبل أسبوعين تقريبًا فقدت الوصول إلى حسابي الذي عشت فيه ثلاثة عشر عامًا، شهد هو على كل مرحلة نمو وركود مررت بها ورافقت فيه زملاء وأصدقاء وأخوة. اللحظة التي فقدت فيها الوصول لحسابي كانت كهوّةً في الخط الزمني، عشت في مرحلة إنكار، أريد أن يكون هذا الحدث خطأ تقنيًا أو تحديثًا للبرنامج أو أي عامل قابل للزوال.

 

اختزال الوجود

بعد أن ردم الوقت هذه الهوة ثبت أنها في الخط الزمني ذاته، لكن من هول ارتباطنا بمواقع التواصل الاجتماعي، بات فقدان الحساب عليها أشبه بفقدان الكيان وباتت الأجوبة على أسئلة الهوية من قبيل: من أنت؟ وأين موقعك؟ وما هو تعريفك تحديدا؟ وماذا تملك؟ تتمحور حول هذا الوجود الافتراضي وكأنه بات أكثر حقيقية ومحورية من ذاتك الواقعية.

وما أتعس أن يعاد تعريفنا بهذه الطريقة وأن يختزل وجودنا في هذه الفضاءات وإن كانت هي أدوات العالم الجديد. خاصة إذا كان الحديث عن مجرد وجود في هذه المنصة أو تلك ولا نتحدث عن الوجود المرتبط بقيمة مضافة تنبع من مهارات واقعية نمتلكها ونستخدمها ونطورها في تلك المنصات.



هوياتنا الافتراضية

إننا نتحدث عن الإحباط والربكة التي قد تصيب الفرد عندما يفقد ذاته الافتراضية المحاطة بعدد المنشورات التراكمي ومقدار التفاعل وعدد المشاهدين وكأنه فعليًا قد عاد إلى نقطة الصفر وفقد كل ما بناه في هذا العالم الذي اتفقنا ضمنيًا أنه عالمنا الحقيقي الذي نعترف به.

إن المشكلة تكمن في دلالة هذه المشاعر على أن المسألة تتجاوز وصف الإدمان، حيث لم نعد ندمن هذه الفضاءات بل أصبحت هي عالمنا الجديد الذي نسكنه ووجودنا مرتبط بوجوده ورحيلنا بناء على موقعنا منه. أي أن المسالة أصبحت مسألة هوية وإعادة صياغة لها، وأيًا كانت المسألة ما بين الهوية والإدمان، ففي كلتيهما نشعر بالقيود تلتف حول أيدينا. الشعور ذاته الذي يكدر صفو يومك عندما تتوقف عن شرب القهوة، ثم تبدأ رويدًا رويدًا في الاعتقاد بأن شرب كوب من القهوة سيأتي بالفكرة العظيمة أو سيجعلك أكثر تركيزًا، إنه ليس اعتقادًا فحسب، إنما نصاب بالصداع وتظهر الأعراض عندما يغيب ذلك المسكن عنها إن كان قهوة أو غيره.

على كل حال الحقيقة هي أننا لم نعد أحرارًا، بل عبيدًا لهوياتنا الافتراضية، لأمزجتنا، ولكل تلك الأشياء التي ألفناها، واعتدنا عليها فأصبح فقدناها فقدانا لنا، لذا، تسعدني فكرة أن يومي لا يتأثر عندما أتوقف عن شرب القهوة؛ لأنني أشعر بقدر غير عادي من الحرية. حرية أن تحتسيها في الوقت الذي تريد وحرية أن تكون طقسًا متى ما أحببت وحرية أن تستطيع تجنبها متى استدعت الحاجة دون أن تفسد يومك، لتبقى في خانتها الأساسية أن تكون هي الأداة التي نحركها لا المحور الذي ندور نحن حوله، والشيء ذاته يحدث مع كياناتنا الإفتراضية.



موت افتراضي

عندما هدأت العاصفة، أخذت أفكر في أهمية الأمر بالنسبة إليِّ، ماذا يعني أن تفقد الوجود الافتراضي؟ ما هو الأثر إن حدث ذلك قبل سنوات وما فرقها عن اللحظة؟ فوجدت أن الأجوبة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمن أنت في كل مرحلة وأعني هنا الأنا الحقيقية، وكلما عجزت عن تعريف نفسك بعيدًا عن الوجود الافتراضي يعني أنك ستموت افتراضيًا بمجرد أن يختفي حسابك إنها تلك القيمة الواقعية التي تجعلك غير قابل للتلاشي في لحظة، أن تعزز مهاراتك الناعمة والصلبة التي من الممكن دائما توظيفها في كل مكان ووقت، وأن تعزز من أنت بالحضور الفعلي ذي القيمة سواء كان واقعيا أم افتراضيا لأن القيمة تعيد إنتاج نفسها ولا تتلاشى.

في نهاية الأمر، أحرص ألا تكون مجرد حساب على منصة تواصل، حتى لا يكون حضورك حضورًا افتراضيًا، اصنع من نفسك على الدوام رقمًا صعبًا حتى في نطاق أسرتك الصغيرة وهوايتك المحببة التي لا يكترث بها أحد. فالقيمة ليست بالضرورة ما يقدّره الناس منك، بل قيمتك أنت في عين نفسك.

37
0
اشتراك
تنبيه
guest

3 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

قصصنا حصوننا
8 كانون الأول

|

الأدب والفلسفة
وقت القراءة: 7 دقائق
لن تُمْسِكْ العنقاء
27 تشرين الأول

|

الأدب والفلسفة
وقت القراءة: 7 دقائق
معنى أن تكون كبيرًا
7 أيار

|

النفس والعاطفة
وقت القراءة: 4 دقائق

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً