يتدرج المرء في نظرته تجاه الأكبر منه سِنًا خلال مراحل حياته، فعندما كنّا صغارًا، في الابتدائية وما قبلها، كنا نرى من هم في المرحلة الثانوية كبارًا، وبالأخص طلاب الثالث ثانوي، وبعدما صرنا في نفس المرحلة انتقلت هذه النظرة إلى من هم في المرحلة الجامعية، وعندما صرنا في نفس المرحلة أدركنا أننا مخطئون وأنهم ليسوا (كبارًا) كما كنا ننظر إليهم، وربما بعدها لم أعد أنظر إلى أحد على أنه (كبير)!
كنا نعتقد ونحن صغار بأن تكون كبير يعني أن تعرف كل شيء، أن تمتلك جميع الإجابات فلا تعجزك الأسئلة، لا تخاف ولا تتردد، تعرف الصواب دائما ولا تحيد عنه، ولا تشكل لك أي مشكلة تحدٍ صعب، فأنت تستطيع حل كل المشكلات في أسرع وقت ممكن، وحينما كبرنا أدركنا الحقيقة؛ وهو أن لا أحد كبير لهذا الحد الذي كنا نظنه!
ذات مرّة، مدحت زميلتي قميص إحدى الأستاذات في الجامعة، وأخبرتها بأنّه يليق بها، ردت عليها بابتسامة عريضة واندهاش: “الله يسعدك! من زمان عندي ومترددة ألبسه لأن ألوانه فاقعة!”
عَلِق هذا الموقف البسيط في عقلي، فلم يخطر لي قبلها أن (الدكتورة) المتميزة في إيصال المعلومة، والمتمكنة في مجالها والتي يحبها الجميع، قد تتردد وتقلق بخصوص شيء صغير كهذا، بل وانعكست زيادة ثقتها في تلك اللحظة على المحاضرة ككل، وهنا تأكدت كمْ كنا مخطئين في معنى أن يكون الإنسان كبيرًا.
أستشعر ذات الإحساس عندما أرى كبيرًا لا يعرف شيئا مستحدثًا أو متداولًا بين الشباب، أو لا يجيد أمرًا تقنيًا لا يحتاج سوى نقرات، وأشعر بخجله من عدم الإجادة، لكم يتخفف الإنسان من عِبء ثقيل حينما يدرك أن لا أحد يجب أن يكون كبيرًا بالمعنى المثالي، والخيالي أيضا!
ومع إدراك أن الناس- جميعهم وعلى اختلافهم- معقدون ومركبون، مهما كانوا أكبر منّا سنًا، بل غالبا ما تزداد هذه التركيبية مع العمر، توقفت عن رؤية أي أحد على أنه كبير بما يكفي.
وسألت نفسي، ماذا يعني أن تكون كبيرًا بما يكفي أصلا؟
بما يكفي لأن تتوقف عن كونك إنسانًا!؟ ألا تخاف ولا تقلق ولو للحظة!؟ أن تمشي واثقًا بكل خطوة تخطوها ولا يساورك شك أو تردد في قراراتك!؟ ألا تخطئ لأنك تعرف الصواب دائما وتتصرف على أساسه!؟ أن تمتلك جمع الإجابات!؟ ألا تحتاج لا لشيء ولا لشخص!؟
ربما هذا التعريف محض خيال ووهم، بل وسبب رئيس في تعقيد العلاقة بين الأجيال، فأينما ذهبت أرى صدامات بين جيل كبير وجيل أصغر، وغالبا ما تكون حول الأشياء ذاتها مع اختلاف الأشخاص والأمكنة، حتى شعرت أن هذا الصراع صراعًا أزليًا بلا ابتداء ولا انتهاء؛ فلا الجيل الكبير يعي طبيعة اختلاف الأجيال والزمن ويرى أنه دائما الأعلم بالصواب، ولا الجيل الصغير يستمع ويرحم ويخفف من حدة أحكامه.
ينشأ هذا الصدام بين الأجيال الذي لا ينتهي، من كوننا نخطئ في فهم معنى أن يكون الإنسان كبيرًا، فحينما يعتقد الكبير أنه لا يجب أن يخطئ، وهذا مستحيل، تتعقد بذلك حياته، ويتعامل مع هذا الخطأ على أنه الحقيقة، فلا يرحم نفسه إذا أخطأ، أو يتعامل بتعال وينكر هذا الخطأ، وينعكس هذا الخطأ إلى تضرر العلاقات بين الأجيال.
أشعر أن دورنا، نحن الجيل الأصغر، أن نتفهم الأجيال السابقة، والتفهم يعني قبول الآخر وهذا القبول يأتي من الفهم، والوعي بمعنى أن تكون كبيرًا، فمن سبقونا ليس لديهم المعرفة الكاملة، والاستقرار التام، ولكنهم يحاولون، وبالتالي يجب أن نحترم تجاربهم، وأن نطور نحن في تجاربنا وفقا للإمكانات المتاحة لنا اليوم، ولم تكن متاحة لهم بهذا القدر الهائل، يجب أن نفهم أن من هم أكبر منا بشرًا، يمشون في رحلتهم الخاصة على هذه الأرض، يتعلمون وينمون أثناءها، وإن كان تغيرهم بطيئا، وقدرتهم على المواكبة- بمفهومنا- أبطأ، أو قد يكاد يكون معدومًا بعض الأحيان، فلأنهم لم يعيشوا في زمن شديد التسارع، مثل الزمن الذي نعيشه اليوم.
لست هنا لأقول إن من يكبرنا دائما على حق، فقد تصدر منهم أفعال مستفزة، وقد يطول الأمر ويكون مستنزفًا لدرجة الاختناق، لكنني أقول، أنه يجب أن نتزود بالصبر ونقلل اندفاعنا عبر محاولة فهم أبعاد شخصياتهم وتجاربهم، والأهم، هو ألا ننكر إنسانيتهم، ونطالبهم طوال الوقت بأن يكونوا خارقين.