متاهة الخصوصية
“ما الحكمة من ألا يعرفنا أحد؟” تساؤل فضولي تطرحه ابنتي الكبرى – ذات العشر أعوام-، والذي يعقبه نقاشات متكررة تحدث في منزلنا أسبوعيًا،وأنّ لا ضير في مشاركة يومياتنا وتحدياتنا عبر قناة في اليوتيوب إذا كانت لا تتعارض مع دروس المدرسة واللعب خارجًا. أخبرها، محاولةً الإيجاز في كل مرة – مع إضافة المنطق للإجابة – بأنه عندما لا نشعر بقيمة يومنا إلا عند مشاركته أمام مرأى من الناس، فإننا لا نعيش حياة حقيقية، وإنما نمثلها. فنكبر ونحن بارعون في تمثيل الحياة الرائعة والمبهجة من الخارج، بينما من الدّاخل نشعر بفراغ وقلق جرّاء تمثيلنا ذلك. تصمت لبرهة قبل أن تسأل: “هل يمثّل كل أولئك على منصة اليوتيوب حياتهم؟”
تخيّل مشهد يُظهر الوالدين كمديرين أعمال لمُنتج ذو سلعة قيّمة وهو (أطفالهم)، بهدف تحصيل الأموال وتأمين حياتهم لأعوام قادمة. وللحفاظ على بريق هذا المُنتج، يتطلّب من مدير العمل (الوالدين) إضفاء مميزات على المُنتج لضمان استمراريته وتحقيق شروط الربحية التي تنصّها منصة اليوتيوب. لذا يجب تنويع هذا البريق من خلال إنشاء تحديات، وسكيتشات تتناول القضايا الأخلاقية وحلولها، ومقالب مُضحكة، وابتذال الحفلات والمناسبات العائلية، وتحقيق أجندة الظهور من أجل إضفاء المنطقية في المشاركة.فمثلًا، لا يمكن الانتقال إلى مرحلة زمنية جديدة دون إخطار المتابعين بما حدث قبلها، مثل تتابع الانتقالات كالسفر، بعد السفر، والتخطيط لما بعده من مفاجآت شيقة! كم يبدو هذا المشهد قاسيًا وغير مُراعٍ للأطفال وللوالدين في نفس الوقت، إذ إنهم لا يتّخذون أطفالهم كسلعة عن قصد، والمزاعم الحقيقية وراء ذلك هي توثيق الذكريات. مثل إنشاء حسابات خاصة بالأطفال تُدار من قِبل والديهم، يُنشر فيها صور منذ الولادة وحتى عمرهم الحالي، يُذيل تحتها عبارات مثل (أهلا ماما وبابا، عمري شهر!). بالإضافة إلى البدء في ريادة الأعمال مثل رعاية الإعلانات وتأمين مصدر دخل قيّم للأسرة، والرغبة في التأثير والإلهام، كون الحياة المثالية البعيدة عن الروتين التقليدي هي ما تحتاجه لتكوين “ذاكرة العائلة”. قد تبدو هذه الأهداف منطقية ومدرة للأموال حقًا، ولكن ماذا عن القيم الحقيقية التي ستؤثر على الأطفال دون سن الرشد عندما نكشف وجوههم ونوجّههم لأفكار استمرارية الظهور؟ وماذا يخسرون من أنفسهم؟
أهداف عائمة، وقيَم مشوّهة
بحسب مقالة نُشرت في مجلة جوريميتريكس(Jurimetrics) في عام 2024 بعنوان “التدوين العائلي وإيذاء الأطفال: الحاجة إلى حماية وطنية” للباحثة كاميل لود، فإن “فقدان السيطرة على الصورة الذاتية والهوية، وعدم قدرة الطفل على الموافقة الواعية لظهوره في الفلوقات العائلية، تمثل عوامل قد تؤدي لاحقًا إلى مشاكل نفسية، مثل القلق أو اضطرابات في تقدير الذات”. فبعد أن قوّض الآباء -دون قصدٍ منهم- رفاهية اختيار أطفالهم الظهور أمام الملايين، كونهم لا يستشيرون ولا يمنحون أبناؤهم الخيار حول ما يتم نشره من حياتهم، ولا يُدركون تبعات تحوّلات شخصياتهم خلال سنواتهم الأولى، فإنهم سيواجهون لاحقًا تساؤلات منهم حول مبادئ الإرادة والوعي بالخصوصية التي أُحدث بها شرخ قديم موثّق بشروط على منصّة اليوتيوب لمشاهد من طفولتهم! مثل الانفعال أو الغضب والبكاء، إضافة إلى تساؤلات أخرى مثل: لماذا يواجهون موجات من الكراهية غير المبرّرة أو المحبّة المفرطة لشخصياتهم جراء كشف هوياتهم على الإنترنت أثناء نشأتهم؟ وما إذا كان من المفترض رعاية القيَم التي ينشأون بها بعيدةً عن أعين الملايين! أيضًا، من الآثار الإضافية التي ذكرتها الباحثة على الأطفال المشاركين في المدوّنات العائلية “اضطراب نموّهم الطبيعي وعملية التواصل الاجتماعي” كون وجودهم على بقية المنصات متطلبًا لجمهورهم المحب أو المترصّد لثغراتهم، ما يفرض عليهم الالتزام بهوية القالب الذي صنعه الوالدان في المدونة العائلية. ومع التواجد المستمر على بقية منصات التواصل الاجتماعي، تتعرض حدود الخصوصية التي من المفترض أن يسعى الوالدان لترسيخها منذ سن مبكرة للاهتزاز، بعد أن أثرت فيها تداخلات آراء العامة وتعليقاتهم حول تفاصيل حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية والخطط المستقبلية. مثل هذا الانكشاف يمنح المنصات الإعلامية فرصة صناعة عناوين سطحية تجذب مئات المشاهدات، مستخدمةً اليوميات العائلية كواجهة إخبارية لوقت كافٍ تغذي من خلاله خوارزميات البحث والشهرة. وبهذا، تُستغل صور الأطفال وتفاصيل حياتهم بشكل غير مباشر، شاء الوالدان ذلك أم أبوا.
تشريعَات هشّة، وتقنين بلا فائدة تُذكر
في عام 2019 وَجد مركز (بيو) للأبحاث والدراسات (Pew Research Center) في دراسة بحثية على أكثر من 43,000 قناة يوتيوب تضم كل منها أكثر من 250,000 مشترك”أن الفيديوهات التي يظهر فيها طفل صغيرا تحصد في المتوسط ثلاثة أضعاف عدد المشاهدات مقارنة بالفيديوهات التي لا يظهر فيها أطفال”. تُعظّم دراساتٍ كهذه من مسؤولية الوالدين على ظهور أطفالهم دون سنّ الرّشد على منصات التواصل الاجتماعي. أعرف، ثمّة صعوبة بالغة في الإشارة إلى قناة بعينها، إذ أن المدوّنات العائلية المتواجدة حاليّا في المنصات يُجاهدون في العمل على رسم حدود لظهور عائلاتهم وأطفالهم، إنه موضع حسّاس وهشّ، وغافلٌ في أحايينٍ كثيرة عن المفارقات الصغيرة في بثّ تفاصيل حياتهم، فهم قانونيّا غير مخطئين في نشر يوميّاتهم.
تصوّر أن تبذل جهدًا لمحو صورتك من الإنترنت بعد أن سعى والديك إلى نشرها، ظانّين أنهم ينشئون سجلًا لتوثيق طفولتك، ولا تستطيع! وأن تقنين ظهورك ضمن أجندة محددة لم يُخفّف من وطأة الأمر، لأن انكشاف وجهك وهويتك لم يكن بمحض إرادتك. ولماذا لم تقف التشريعات في صفك عندما كانت الفرصة مواتية؟ فما الفائدة حقًا إن منحت التشريعات، مثل تشريع ولاية إلينوي لحماية الأطفال المشاركين في المدوّنات العائلية (الفلوق) – المعتمد قانونيًا في 2023 وهو الأول من نوعه في الولايات المتحدة – حق المطالبة بحذف الفيديوهات بعد بلوغ الطفل سن 18 عامًا، بالإضافة إلى إمكانية الوصول إلى حساب بنكي محجوز بالأموال العائدة من ظهورك كطفل؟ من ستطالب في المحكمة؟ والديك؟ أم منصة ضخمة تضخ المليارات من المدوّنات العائلية؟ وما إمكانية إصلاح ما عاثه ظهورك من خراب في حدود خصوصيتك الشخصية؟ وهل كان يستحق الأمر انكشاف هويتك الشخصية في قالب مشوّق وممتع للملايين أثناء نشأتك لتأمين حياتك؟