أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً
من الحُسن حتى كاد أن يتكلّما
— البحتري
يجيء ربيع هذا العام بملامح مختلفة، يتعانق فيه عيد الفطر مع النوروز في اليوم نفسه. ومع كل ربيع يتردّد السؤال نفسه: هل يُزهر الإنسان كما تُزهر الطبيعة؟ أم أن الربيع يأتي فقط ليذكّره بأن الحياة مهما انطفأت تحمل في جوهرها قدرة خفية على النهوض من جديد؟
منذ أن لمح الإنسان أول زهرة تشق طريقها من التراب، أدرك أن الحياة يمكن أن تعود فيه كما تعود في الأرض. ولفهم هذا الارتباط البشري العميق بالمواسم، لا بد من العودة إلى الأساطير القديمة، إلى تلك اللغة الأولى التي صاغ بها الإنسان دهشته أمام الكون. في الميثولوجيا الفارسية، يُنظر إلى الربيع باعتباره لحظة الخلق الأولى، ومن هذا التصور، نشأ الاحتفاء بالنوروز لا كاعتدال فصلي فحسب، بل لحظة يستعيد فيها الكون نسقه الأول، ويتجدّد فيها العالم والطبيعة والإنسان معاً.
غير أن هذا التصور الأسطوري للتجدد لا يعني أن كل ربيع يحمل بالضرورة ازدهاراً. فكما تُظهر الأرض في الربيع ما كان كامناً فيها، يكشف القدر عما غرسه المرء في أيامه الماضية. من زرع صبراً حصد قوة، ومن زرع معرفة انفتحت له آفاق لم يكن يبصرها، ومن زرع محبة عاد إليه دفؤها في لحظات العتمة. وهكذا يغدو الربيع موسم حصاد وجودي، تتجلّى فيه ثمار ما أودعناه في تربة ذواتنا، لا ما تمنّيناه فحسب.
وفي هذا الكشف نتذكر سنة كونية تحكم المسار: الجزاء من جنس العمل، وأن ما يعود إلينا هو ما زرعناه. فأيُّ أرضٍ مهّدتَ في داخلك لتزهر أنت أيضاً؟ وماذا لو لم تُثمر الأرض كما رجوت؟ كيف تتعامل مع ما يظهر لك من ثمار؟ أترضى بما أثمر أم تسعى لتبديل البذور؟ فأنت مثل الأرض، لا تملك الفصول التي تُفرض عليك، لكن تملك البذور التي تزرعها، ولا تملك المطر، لكن تملك الحراثة، ولا تملك موعد الربيع، لكن تملك الاستعداد له. وبين الإزهار الممكن والإزهار المؤجل يتشكل قدرك.
فالتباين بين الإزهار المؤجل والممكن هو ذاته التباين بين التسليم والسعي،وجهان لمعنى القدر: غيب نسلم له، وتجلّ لا يكتمل إلا بالحركة. ويتجلّى هذا المعنى في سورة الكهف، فالرحلة التي جمعت موسى بالخضر تُظهر أن ما يبدو خروجاً عن ميزان العدل، قد يكون طبقات خفية من الرحمة. وأن فهم القدر يشبه الإزهار المؤجل، نثق بقدومه وإن تأخر انكشاف حكمته.
وعلى الضفة الأخرى، تكشف سورة مريم البعد المكمل للقدر: السعي.فالهزة الخفيفة لجذع النخلة تكشف أن الفرج يقتضي حركة وإن كانت واهنة. فالقدر لا يستجيب للأمنيات، بل لما سعينا إلى زرعه ورعايته (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ)، والرضا ليس خمولاً بل سكينة تمنح البذور وقتها لتشق تربتها (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ).
ختامًا نعيد السؤال: هل يُزهر الإنسان كما تُزهر الطبيعة؟ يزهر حين يمضي في سعيه كما مضى موسى (لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ)، وحين يصبر على ما لم تتكشف حكمته بعد (تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا). وفي التوازن بين السعي والتوكل يولد الربيع الحقيقي للروح، الربيع الذي تحدثت عنه الأساطير، وغرّدت له البلابل، وأشار إليه العارفون، ربيعٌ يبدأ من الداخل.فإن أزهرت أنت.. أزهر العالم من حولك.
كتبت هذا المقال لأني أحب الربيع، وأحرص على الاحتفال بقدومه كأي وردة لا تزهر إلا فيه. ففي الربيع تستيقظ الحياة من غفوتها، وتعود الأشياء إلى نقائها الأول، كأن الله أمر الخلق أجمع أن يزهر دفعة واحدة، فتنفض الأرض عن كتفيها برد المواسم الماضية، وتفتح ذراعيها للشمس كما يقبل القلب على الحياة.
في الربيع.. يتمدد العشب كضحكة على صدر الأرض، يستعيد الهواء رقته، تعود العصافير إلى أغصانها، تعود الفراشات لتعانق الرحيق، تعود النسائم تغازل أوراق الشجر، تعود أشعة الشمس لتطبع قبلاتها على الوجوه، ويعود الحب.
فتعال أيها الربيع القادم على مهل، مرّ بنسائمك على روحي ودعني أزهر من جديد.