جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2026

هل التذمر في بيئات العمل مجدي؟
10 مايو
المال والأعمال

هل التذمر في بيئات العمل مجدي؟

10 مايو

|

المال والأعمال
بدعم من

قد تشعر يومًا ما بأن مديرك المباشر يقسو عليك بشدة، ويكلّفك سيلًا من المهام المتراكمة واحدة تلو الأخرى، ولا يكتفي بذلك، بل يهمز ويلمز عند مرورك من مكتبه ولو سريعًا، ملمّحًا إلى المهمة التي تأخرت في تسليمها أو التي لم تبلغ مرحلة الكمال من وجهة نظره.
تضيق ذرعًا من شهور متتالية من الضغط النفسي الذي لا يجعلك تهنأ لا بلقمة سائغة، ولا بنوم مريح. ولكن، وخلال أحد الأيام، وفي وقت راحتك المخصص، تصطحب معك زميل عملك ليشاركك كوب قهوة، وهو الذي يتقاسم معك المكتب، ويتقاطع معك في العديد من الاهتمامات المختلفة. أما التقاطع الأهم فيكمن في أن مديركما هو الشخص ذاته.
تبدأ بسرد قائمة طويلة من الشكاوى التي لا تنتهي، ويوافقك هو الآخر في الرأي، بل ويصب الزيت على النار ليخبرك بجوانب مظلمة لمديركما كانت بعيدة كل البعد عن ذهنك. وهكذا يستمر الأمر لساعة كاملة دون انقطاع.
ينقضي وقت الراحة وتعود إلى عملك وأنت محمّل بأفكار لا تنتهي من الظنون والمعتقدات التي يؤكدها ويشعر بها كل من في المكتب على حد سواء.
مثل هذه الممارسة منطقية في بيئات العمل، لأنها تفترض أن الزملاء الآخرين يفهمون ما تمرّ به ويشعرون بنفس الضغط الممارَس عليك. بهذه الطريقة نظن أننا سنخفف عن بعضنا البعض ونحظى بالدعم المطلوب، وبالتالي يتراجع لدينا الشعور بالقصور أو العجز ما دام هناك من يشاركنا نفس الأعمال ونعيش سويًا في نفس الخندق.
ولكن السؤال هنا: هل الفضفضة فعلًا تريحنا، أم أنها تزيد الطين بلة؟

ما هي الطريقة الأمثل لتجاوز ضغوطات العمل؟

في بحث تجريبي لبراد بوشمان، الذي يعمل بجامعة آيوا الأمريكية، سنة 2002 م، كان عنوانه: (هل يؤجج التنفيس عن الغضب لهيب النيران أم يطفئها؟)، اختبر فيه 600 شخص وقسمهم إلى ثلاث مجموعات مختلفة بعد قراءتهم لمقالات استثارتهم عاطفيًا ، حيث أنها تضمنت إهانات شخصية موجهة لهم.

طُلب من المجموعة الأولى التنفيس عن مشاعر الغضب بلكم كيس ممتلئ، على طريقة لاعبي الملاكمة، فلم يكن عليهم سوى تلقي الإهانات وتخيّل أن الأشخاص الذين كتبوها ماثلون أمامهم بدلاً من كيس الملاكمة.

لتكون مهمتهم الضرب مرارًا وتكرارًا حتى تهدأ مشاعرهم المتأججة، ولكن المفاجئ في الأمر أن النتيجة لم تسر على ما يُرام لأنها كشفت أن مشاعر الغضب لم تختفِ، بل زادت بنسبة تراوحت بين 20-30% بعد نهاية التجربة.

أمّا المجموعة الثانية، فقد طلب منهم بوشمان التفكير في الإهانات طوال الوقت، ليلًا ونهارًا، بطريقة ما يُعرف بـ “اجترار” مشاعر الحزن، وأن يُحلّلوا الأسباب والدوافع العميقة لمثل هذه الشتائم. وقد أوضحت النتيجة لاحقًا أن هذه المجموعة بالذات ازدادت لديهم حدّة المشاعر السلبية مقارنةً بالمجموعات الأخرى، بنسب تراوحت بين 30 -35%.

وبالنسبة للمجموعة الثالثة، فقد طلب منهم الباحث بوشمان أن يشتّتوا أذهانهم بممارسات مختلفة وبعيدة عن ساحة العمل، كقراءة كتابهم المفضّل، أو ممارسة الرياضة، أو الذهاب لمقابلة صديق بعيد كل البعد عن مجال عملهم. حيث يكمن جوهر الفكرة في إلهاء الأشخاص عن التفكير في المشكلة الأساسية. وقد كانت هذه المجموعة بالذات أقل قلقًا وألمًا نفسيًا من نظيرتيها السابقتين، بنسبة تراوحت بين 15 -20%.

لتتوصل نتيجة البحث إلى أن أفضل ممارسة يقوم بها الأشخاص ليست (الفضفضة) عن المشكلة، وإنما الإنشغال عنها بممارسة نشاط مختلف تمامًا والانغماس فيه.

لنأتِ على سؤال آخر ومهم، إن كان التنفيس يزيد من نوبات الغضب، فكيف يبدو أثر التذمر في بيئات العمل الواقعية، خصوصًا تلك التي تحمل مهام عالية الخطورة مثل مواقع البناء؟

هل الشكاوى في بيئات العمل عالية الخطورة نذير خطر فعلي أم مجرد شكاوى متسيبة وعبثية؟

في بحث آخر يتطرق للسلامة الصحية في مواقع البناء بالدنمارك، الذي نشر عام 2021 في مجلة “إدارة البناء والاقتصاد” درس ثقافة الشكاوى في مواقع البناء عالية الخطورة، والتفاعل القائم ما بين العاملين ومدرائهم المباشرين.

ففي 32 مقابلة أجريت مع العمال ومدرائهم، كان رأي العمال واضحًا في شكواهم لمدرائهم، حيث رأى 60% من العمال أن الشكاوى ليست عبثية، وإنما هي طريقتهم للإبلاغ عن مشاكل حقيقية تتعلق بسلامتهم في المقام الأول، ولا سيما تلك المتعلقة بمعدات السلامة، وغياب أدوات الحماية أثناء تواجدهم في مناطق العمل.

مقابل ذلك يرى المدراء في موقع البناء أن تلك الشكاوى ماهي إلا تذمر ومقاومة للتعليمات بنسبة تصل لأكثر من 50%.

والنتيجة أن سوء التفسير ،والفجوة بين من يعمل في أرض الميدان والمشرفين عليه تتسع، ليشعر العامل بعدم التقدير، والمدراء بالهجوم اللاذع، فتكون النتيجة تقويضًا لا يخطئه البصر في تبديد أواصر التعاون وتجاهل الاهتمام بطرق السلامة التي تُعنى بالموظفين.

لكن لماذا نرى التذمر يتكرر وكأنه مسرحية لا تنتهي وبنفس الأدوار والحوارات؟

ما هو المثلث الدرامي الذي يعلق فيه عديد الأشخاص؟

في عام 1968 م توصل ستيفن كاربمان، وهو طبيب نفسي أمريكي، لأداة تحليلية سلوكية ما زالت تحدث أثرًا حتى يومنا هذا. فقد أطلق عليها اسم مثلث الدراما ” Drama Triangle “، والهدف من الأداة هو وصف الأنماط السامة في التفاعلات الإنسانية وخاصة في جانب الصراعات.

فلو تخيلنا معًا مثلثًا، فإن الطرف الذي تُمارَس عليه القسوة وهو الضحية (Victim) سوف يشعر بالمظلومية والعجز وعدم التوصل لحلول عند وجود خلاف مع ربّ العمل، ليكون الحل المنطقي اللجوء للطرف الثاني من المثلث ليبوح له حزنه ونجواه. يطلق على ذلك الطرف اسم المنقذ (Rescuer)، ومهمته هنا واضحة جليًا وهي استقبال مشاعر اليأس المتمثلة بالتذمرات والفضفضة، وبالتالي يسكب الزيت على النار ويؤجج المشاعر لدى الضحية، وبهذه الطريقة يتلّذذ بمشاعر من السلطة المؤقتة.

أما في الزاوية الأخرى من المثلث فيكون الشخص المسؤول عن كل هذه الهوائل وهو المضطهِد (Persecutor) الذي يلوم وينتقد ويفرض سيطرته على جميع زوايا المثلث.

يعمل هذا المبدأ بزواياه الثلاث، على إشعار الضحية بالراحة المؤقتة، لأنه سلوك مألوف وسهل، ولكنه في حقيقة الأمر يؤول إلى حلقة مفرغة لا أحد يخرج منها راضياً.

خلال بحثي عن موضوع هذه المقالة أُلهمت بفكرة رائعة لتجاوز مثل هذه التفاعلات السامة، وهي التي ذكرها جو مول، المتخصص في الاحتفاظ بالموظفين في بيئات العمل، عبر محاضرته بعنوان: (لماذا تبدأ النميمة وتنتشر في بيئات العمل؟) حيث أشار إلى أن أفضل حل لتجاوز مثلث الدراما السام يكمن في نقطتين أساسيتين:
• أولها: أن تفترض الضحية حسن نية المضطهد، وأنه لم يقم بما أقدم عليه إلّا لسبب وجيه ومباشر.
• ثانيها: ألّا تذهب الضحية للمنقذ عند وقوع مشكلة ما، وإنما تتجه مباشرة للمضطهد وتخبره بأن هناك مشكلة معه بحيث تواجهه مباشرة ليقنعك أو تقنعه.

إذا لم تنجح أيٌّ من هاتين الطريقتين، يبرز سؤال مهم: إذا كنا عالقين في مثلث الدراما، فهل يمكننا الخروج منه إلى مثلث مختلف يمنحنا مزيدًا من الطاقة والحلول؟

ما هي فكرة ديناميكية التمكين؟

في عام 2005 م صدر كتاب لديفيد إميرالد بعنوان: (ديناميكية التمكين)، تأثرًا بفكرة مثلث الدراما السام الذي لاحظه كاربمان في أواخر الستينات الميلادية، حيث أوضح إميرالد أن مجرد الوعي بتفاعلات الشخصيات في مثلث الدراما لا يكفي، إذ لا بد من إطار بديل يفتح طريقًا للخروج نحو فكرة التمكين.

الديناميكية التي توصل إليها إميرالد هي إعادة صياغة الأدوار الثلاثة في مثلث الدراما وتحويلها من أدوار سامة إلى أدوار بنّاءة وإيجابية:
• فالضحية يجب ألا يكون عاجزًا، إنما مبتكرًا (Creator) للحلول بخيارات واسعة يضعها بين يدي المدير، مثل: (كيف أنظم وقتي وأخبر مديري بنقاط قوتي، وكيف نساهم بنتائج إيجابية مع بقية زملاء العمل).
• بينما المنقذ ليس عليه سوى الإرشاد والتدريب (Mentor/Coach)، لا أن يمارس دور الوصاية دون خطوات إيجابية، بحيث لو قدم له الضحية (المبتكر) مشكلة، يسعى بتقديم يد المساعدة والمساهمة بطيب نية في تجاوز الضحية للمشكلة، مثل: (ما هي الخطوة التالية التي تظن أنها ستعود عليك بالنفع؟ وكيف أستطيع مساعدتك بها؟).
• أما عن المضطهد فدوره الجديد سوف يكون التحفيز والتحدي الإيجابي، من أجل نمو الفريق ومساهمتهم سويًا في فكرة: (كيف ننمو سويًا ونتجاوز المشكلة التي تعترض طريقنا؟).

يقترح كتاب إميرالد تبني المؤسسات لديناميكية التمكين، ويشجع على تبني أدوار جديدة توقف مشاعر النقد وتقلل الصراعات وتعزز استقلالية الموظفين، بدلًا من أن تعلقَ في دائرة مفرغة من اللوم والشكوى دون الخروج بحلول ملموسة ونوعية في بيئات العمل.

في المرة القادمة عندما يقسو عليك مديرك، ليس عليك أن تفرغ طاقتك عبر الأوزان في النادي الرياضي وتتخيله أمامك، ولا تمضي ليلك ونهارك بتأويلات غير منطقية، بل تجاوز المشكلة بالالتهاء عنها نحو نشاط مختلف تمامًا، وابتكار حلول للوضع الذي لا تطيقه.
فحينما تعترضك مشاعر سيئة من مديرك المباشر لا تحاول أن تذهب للمنقذ، بل افترض حسن نية مديرك دومًا، واذهب إليه مباشرة لتفهما وجهة نظركما حول الموضوع، ولتخرجا معًا بشعور التقدير والتمكين، لأن التذمر يفتح بابًا للتأويل المبالغ فيه، بينما يعمل التمكين على فتح أبواب متعددة ومبتكرة.
وهنا السؤال لك عزيزي القارئ، وأنت الذي قد مرّ عليك مثل هذه المشاعر قطعًا، إن كنت تعمل في مؤسسة بعينها: هل ستظل أسير دور الضحية في مثلث الدراما، أم تتحول إلى المبدع في مثلث التمكين؟ أخبرني أي دورٍ ستختار أن تلعبه غدًا في عملك؟

1
0
اشتراك
تنبيه
guest

0 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

ميكانيكية القلق، حوار بين حريشة وأرنب
8 أبريل
النفس والعاطفة
4 دقائق
الركض للتغلب على الألم
14 مايو
النفس والعاطفة
5 دقائق
 كيف ننجو بالضحك؟
11 نوفمبر
النفس والعاطفة
5 دقائق

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً