جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2026

فوضى الأسئلة المتروكة بعد العلاقات
5 أبريل
العلاقات

فوضى الأسئلة المتروكة بعد العلاقات

5 أبريل

|

العلاقات
بدعم من

تعود النهايات التي نظن أننا تجاوزناها بعد مدةٍ على هيئة حنينٍ أو حلمٍ حزين، إعياءٍ مباغت، أو ليلةِ وحشةٍ شديدة مصحوبةٍ بسؤالٍ مُلحّ يمسك مطرقةً حادّة ويهوي في عصب ذواكرنا بإلحاح: لماذا انتهت بهذه الطريقة الأشياء التي بدت وكأنها ستبقى إلى الأبد؟

مفارقةٌ يصارح بها فاروق جويدة حبيبته بهشاشةٍ شجاعة بعد تداعيه أمام مصرع نهايةٍ حزينة، يخبر جويدة حبيبته في قصيدته لو أننا لم نفترق: «تنسين أيامي وقد أنساكِ، ثم يطلّ وجهك في خريف العمر أمنيةً شريدة؛ ولو ألف عامٍ على نهايتنا، سيجمعنا حنينٌ أو قصيدة» 

في الطبيعة العلائقيّة لخواتيم الأمور، وفي القسمة النهائية الحاكمة بعد انتهاء العلاقات، تقول سوزان وينتر: يغادر أحدهم دومًا بالإجابات، بينما يظلّ آخر رغمًا عنه معلّقًا بالأسئلة.

حيث يشرح السادة في علم نفس الأعصاب أن الدماغ يحبّ النهايات الواضحة والوضّاحة؛ لأنها تمنحه طريقةً لترتيب ذكرياته ووضعها في خاناتٍ مستقرة. لكن عندما تنتهي علاقةٌ طويلة بخيانةٍ لم تكن في الحسبان، أو باختفاءٍ مفاجئ، أو بنهايةٍ غير مستضاءة وخارجة عن المتوقع من أحد الأطراف، تبقى الذاكرة العاطفية عند الآخر كما هي في وضع نشاط، لكن تصبح معها قشرته الجبهية في حالةٍ مفعّلة. والنتيجة: شخص يستمر في استرجاع العلاقة واجترار المشاهد المربكة في محاولةٍ للإحاطة بجوابٍ لمآلات ما انتهت إليه الأمور.

قد تنتهي علاقةٌ على أرض الواقع، لكن تبقى خيالاتها بالذاكرة الانتقائية معاشةً داخل الإنسان،  مفعّلة بالشوق لتلك السرديّة التي لم تتحقق. أو كما يقول حينها الشعر الإنجليزي: “أنت لا تبكي على الأشخاص إنما تبكي الأحلام الذي ودِدتَ أن تعيشها معهم”  يسميها ويليام وينيكوت “مايكرو تروما”: تروما الأشياء التي لم تحدث، والاحتياجات التي لم تُلبَّ، والحب الذي أُجهِض على غفلة

حذار من شيطنة ذلك الآخر

نجد أنفسنا فجأة أمام علاقةٍ محفوفةٍ بتاريخٍ حلو، لكنها مبتورة بنهايةٍ مباغتة؛ نهايةٍ نشتم بعدها عبق الذكريات، ويزعجنا فيها غياب المحبوب، ونقف عندها بأشلاء روحنا الممزّقة والمتسائلة. بعض الناس في هذا يأخذهم الاستياء بعدها إلى ما يدعوه علم النفس “شيطنة الآخر” فتتدفق أفكارٌ غضوبةٌ واندفاعية، لا تتلاءم مع حرارة المشاعر القديمة؛ أفكارٌ تشكيكية في حقيقة كل ما كان، مثل: “لم يكن يحبني من البداية»”، أو “ربما كانت ترواغ طوال الوقت”، “مشاعرها لم تكن حقيقية”، أو يسترجع فيها مواقف المشاحنات وعيوب محبوبه؛ وذلك بسبب عدم قدرة الدماغ وقتها على تنظيم التناقض الصعب: أنه من الممكن أن يحبّنا أحدهم ويتركنا أيضًا.

حالةٌ دفاعيةٌ نفسيّة، نسكن بها الألم عبر تبنّي نظرةٍ مبسّطة سرديّتها: “أنا الجيد، وهو الشرير”. هذه النظرة التي تعطينا شيئًا من السلوان، أنه لا خسارة في خسارة شخصٍ سيّئ. إلا أن هذه القراءة من شيطنة الآخر تجعل عملية التجاوز، على العكس، أكثر صعوبة؛ لأنها تعزّز ثنائيةً متناقضة داخل الإنسان: ثنائيةَ الحب والكره، مزيجٌ أكثر إيلامًا يجعل حدة المشاعر أثقل. فالشيطنة تُبقي الإنسان عالقًا بأفعالٍ مثل التفريغ العاطفي بالنميمة الدائمة والمنشورات الساخطة المشحونة بشحنةٍ سلبية  وغيرها من الأفعال التي تمنع صاحبها من السير نحو التعافي أو إعادة بناء فهمه لتجربته بنظرةٍ محايدة. يشبه الأمر تجرّع السمّ وانتظار خصمك ليموت، بتعبير مانديلا.

جرب أن تكون الكاميرا التي تصور النهايات

تقترح الدكتورة هايدي بريب أن ننظر إلى الخواتيم التي لم نحصل عليها من الآخرين، والمشاهد الأخيرة معهم التي لم نفهمها، كما لو أنّ كاميرا هي التي سجّلت الحدث. فالكاميرا لا ترى إلا الفعل الظاهر؛ ولا تُجهد نفسها في استقراء ما وراء الوجوه، ولا تفتّش في النوايا، ولا تتجاوز حدود قدرتها.

لكننا، على العكس تمامًا، حين تنتهي علاقة ما، ينزلق جزءٌ منّا إلى مغالطة قراءة العقول. نحاول أن نتسلّل إلى داخل عقل الآخر، نبحث عن نواياه، نتساءل بلا توقف: لماذا هانَتْ عليهم أيامُنا؟ ولماذا فعلوا ما فعلوه؟

بل إنّ جانبًا من سلوك “التعقّب” ينشأ من هذا الدافع ذاته؛ رغبتنا في أن نستشفّ من حياة الآخر—من منشوراته، ومن متابعته، ومما يُظهِره للعلن—«موقعنا» في خريطة نواياه:

هل لا يزال يحبّنا؟

هل يحزنه غيابنا؟

هل كنّا أفضل من عبر في حياته؟

ولعل هذه إحدى محركات فعل التلصص.

عندما لا يعطينا الآخرون نهايات ، يعطينا القدر فرصة تخليقها

يقول الإمام الغزالي : “من جفاك فقد أطلقك ومن برّك فقد أوثقك”

أي أن من تخاذلوا في حقنا وقصروا ولم يقدروا الذي كان، قد أعفونا على الأقل من طاقة ودنا ومجهوداتنا فكل مبذول في غير محله غير مُقدر ، وكل ما هو غير مُقدر دائماً في نهاية المطاف ‏مُهدر.

تعلّمنا التجربة العاطفية في نهاية المطاف أن تلك الخواتيم المبرّرة التي نظن أننا نحتاجها، وأن تعافينا يقف عليها، لا تملك القدرة التي نتوهّمها على شفائنا وتحريرنا.

ذلك أن الإجابات مهما أتت من الآخرين، فإننا سنقف أمامها عند الآخر بمساومة (حتى ولو… كان بإمكانك كذا وكذا..). مقاومة تسميها عالمة النفس كوبلر روث في سُلّم مراحل الحزن: “عتبة المساومة.”

أنت لا تُشفى حين يأتيك الجواب، بل حينما تكف عن طلبه

اعلم، أعزّك الله، أن من طبائع الحياة أنها مُلغِزة، ومليئة في كثير من محطاتها بالإبهام، وعلامات الاستفهام، وأن الناس فيها قد لا يمنحوننا أحيانًا المصارحة والإجابات التي نظن أننا نستحقها. وعلينا ألا نعيا كثيرًا بالأسئلة التي لن تشفينا إجاباتها، وأن نذكّر أنفسنا، كل حين، أن من يتعلّق بأسئلة الماضي تتعثّر خطاه.

فجديرٌ بنا أن نختصر مشاعرنا وطاقاتنا بالاستعداد للأوضح والأشجع، وألّانكلّف أنفسنا عناء الأشياء التي تخرج عن نطاق قدراتنا، وأن نمضي في حياتنا متخفّفين، نربّت على أنفسنا ونكتفي بالإشارات، وأن نتصالح مع أسئلة كل مرحلة ونتنازل عن حاجاتنا الشديدة لإجابات لها؛ فنحن لا نُشفى بالأجوبة، إنما حين نكفّ نفسيًّا عن طلبها.

20
0
اشتراك
تنبيه
guest

5 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

تأملات فتى الأسمنت
22 اغسطس
السفر
8 دقائق
الفنّ كتعبير وجودي
16 نوفمبر
الفنون والإبتكار
6 دقائق
حي بن يقظان في السعودية، السفر التأملي
11 يوليو
السفر
10 دقائق

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً