لم يتغير عداد الثواني في كل دقيقة، ولم تنقص الستون دقيقة ضمن الساعة، لكن الوقت يبدو أسرع من المعتاد، أو هكذا وصفوه بكونه زمن السرعة. من المؤكد أننا أصبحنا نمل بسرعة أكبر، وأصبحت توقعاتنا من الانتظار أقل. فمثلًا، الرسائل التي كانت تصلنا بعد أيام أو أسابيع، صارت الآن تصل في ثوانٍ. لكن الأهم من ذلك كله هو المعنى الكامن خلف هذه التغيرات، المعنى الذي ينبع منا، والمعنى من وضمن كل شيء. من أين يبدأ وأين ينتهي؟
معلوم فمجهول:
في سنواتي الأولى، وتحديدًا خلال رحلة الدراسة، كان المستقبل مجهولًا، لكن اليوم لا يفقد معناه. فمهما فقدت البوصلة، لم يغب الهدف، ومهما صعب الطريق، كان هناك الأمل.
من سأكون غدًا؟ كيف سأعرف نفسي؟ وأي السبل ستعرّفني؟… جميعها أسئلة انتهت بعدما وصلت.
اليوم، أعرف خبراتي، أحمل شهاداتي، ولدي عملي، لكن أيامي فاقدة للمعنى. فلا أرجو شيئًا من الغد، ولا أسأل: أين أنا من حلمي؟ بالرغم من أنني لم أختزل الحياة في طريق واحد، إلا أن كل الطرق باتت بلا محركٍ أو شغف.
قد رحلت الأهداف الكبيرة، حتى أن الفتات منها قد زال، وهي تلك المعاني الصغيرة التي تتخلل السعي، ثم السعي ذاته الذي بات بلا معنى يوجهه. وبذلك، تشابهت كل الأيام وسارت في ظلام دامس وضياع تام.
إنه سؤال صعب كما وصفته الشارة: “لماذا نحن هنا؟”. لم يكن تساؤلًا وجوديًا، بل نابعًا من الحياة ولأجلها. وفي سياق آخر، لأي شيء يذهب هذا السعي؟ وأي العواطف تشغله؟ وأين اختفت كل تلك المعرفة؟ مؤكد لم يسرقها أحد، بل ضاعت في طريق ما، أو ربما تناثرت مثل أوراق الخريف، تنتظر أغصانها ربيعًا آخر.
ضياع في الفراغ:
ربما مررت بتجربة الضياع، سواء كواقع مشاهد أو معنى محسوس، أو كتوهان بين الطرق، فتشعر أنك فقدت ذاتك رغم وضوح كل شيء حولك، وذلك لأن حياتك تبدو مزدحمة ومليئة، ولكنها في الحقيقة مليئة بالفراغ.
تتنقل بين ما يُنشر من نصوص وأصوات ومقاطع قصيرة، تحشو عقلك بالكثير، ويمر معها الوقت سريعًا، تعلمك الكثير وتمنحك الكثير، لكنها تسلبك الأكثر. حيث يُقال: “أينما جُهِل مصدر الربح كنت أنت السلعة”، وما أصدقه من قول. فاليوم لم تعد خصوصيتك وحدها تحت التهديد، بل أنت مهدد بالانقراض!
حين يغزوك الضياع نتيجة فقدان المعنى، تبدو لك الحياة كصفحة بيضاء فارغة، لا تعلم بأي الجمل تملؤها. في هذه اللحظة، لم تكن الأحرف هي التي تخذلك، بل إن أساس حياتك نفسه تائه في الشتات. يُقال إن “النباتات تعيش عبر صنع طعامها من التربة، ويعيش الحيوان كما سخره الرحمن يبحث عن قوت يومه، أما الإنسان، أرقى المخلوقات، فيعيش بعقله؛ يفكر، ويجرد، فيصنع ويبني، وبذلك تُقام حياته. ومن دون عقله، لا حياة له.” | مقتبس بتصرف من كتاب “فضيلة الأنانية”.
إن انشغال هذا العقل -وهو محرك حياة الإنسان- باللامعنى واهتمامه بالساعة فقط دون كامل الحياة، هو موت بشكل آخر، إذ نذوب خلاله بالتدريج.
الغاية:
يُقال بصياغات مختلفة إن أصدقاء الرحلة أهم من الوجهة ذاتها، وهنا الأصدقاء هم المعاني التي تدفعنا، والمتعة التي تلمسنا، والغايات الصغيرة والكبيرة التي تشكل أجزاء من صورة أكبر وغاية أعظم.
الحياة ليست هدفًا واحدًا ولا وصولًا واحدًا، بل هي غاية تشبه الكمال الذي يرسمه الإنسان لنفسه، غاية لا تشوبها المنقصات، بل تزيدها حقيقة ومعنى. إنها صورة الإنسان عن نفسه، سعادته المرجوة، خصاله، فضائله، عواطفه، وكل ما يفعله لتحقيق هذه الغاية وخلال سعيه إليها.
الحياة ليست غايات مكتوبة ولا أفعال غير مدركة، بل هي تكامل وترابط، فإذا ابتعدت الأهداف عن الأفعال، لمس الإنسان المعاناة والبؤس، لأن الحياة التي يختبرها تكون بعيدة عن الصورة التي يرسمها في مخيلته.
وقد وصف هذه المعاناة الشاعر سلطان الهاجري حين قال:
يا وجودي وجد من صفّق على ماضي شبابه *** بان شيبه والسنين اللي يبيهن خالفنّه
غرّته خضر السنين وراح عمره ما درى به *** غرّرنّه وارفعنّه لين سجّ وحولنّه
لذلك، حتى لا تصفك كلماته، جد ذاتك واسعَ نحوها.