هنا القاهرة، لأول مرة في حياتي، أتجول مع صديقي يحيى في ضواحي القاهرة بين نيو جيزة، والتجمع، والشيخ زايد. يحيى يبدو كشخص محبوب، وفي كل مكان هناك شخص يعرفه، ويبدو أنه “كول” بناءً على المعايير الثقافية في القاهرة. وُلد يحيى في السعودية عام 2001، وتربى على الثقافة السعودية، فهو يعرف أيضًا ماذا يعني أن تكون “كول” في السعودية، وبالتحديد في الرياض، كونه يجيد اللهجتين معًا بشكل مُبهر.
خلال تلك الجولة، ومشاهدتي للناس من منظور المراقب، لاحظت أن ما أشاهده لا يشبه القاهرة التي أعرفها من أفلام عادل إمام وعمر الشريف، ورشدي أباظة في الستينات والسبعينات. فسألت يحيى بكل براءة: “ما توقعت القاهرة كذا”. فرد عليّ بشكل مباشر: “دي مش مصر، دي Egypt”. وكان ردي عليه: “ما الفرق بينهما؟”، وقبل أن يبدأ بالحديث أوقفته، وقررت البحث وفهم هذا التباين الثقافي، وماذا يعني أن أكون في مصر أو في Egypt، دون صور نمطية من يحيى.
رحلة البحث :
أخذت جولة مطولة في القاهرة بدأت من التجمع ونيو جيزة، وانتهت بالبلد والزمالك والمعادي وإمبابة. هناك اختلاف شاسع جدًا بين تلك المناطق، وكأنك تنتقل بالزمن والثقافة. وأنا أتجول، أحمل معي مشاعر مختلفة في كل منطقة، وكأنها دول مختلفة. كانت الفروقات المباشرة مادية، لكني لاحظت أن كل منطقة تحمل نوعًا من العداء أو العنصرية تجاه المنطقة الأخرى. حينها فقط، تيقنت أن هناك مشكلة لا ظاهرة.
كلمة “مشكلة” قد تبدو حادة نوعًا ما، لكني عبّرت بهذه المفردة لهدف، إذ إن ما لاحظته يعبر عن تعريف الاضطراب النفسي لدى كارل روجرز. اعتقد روجرز أن الدافع الأساسي لأفعال البشر هو الرغبة في التحقيق الذاتي، وأن المشاكل النفسية تأتي من عدم التلاؤم بين «الذات» و«الذات المثالية» و«الذات العملية». ويمكن تلافي عدم التلاؤم هذا عن طريق تربية تشدد على التقبل غير المشروط، والاستعداد لتقبّل شرعية مشاعر الإنسان وأحاسيسه.
أجد نفس الظاهرة أو المشكلة في أغلب عواصم الدول العربية، فتجدها في الرياض بين حي السويدي الذي يمثل السعودية، وحي الياسمين الذي يمثل Saudi Arabia. قد يبدو الاختلاف للوهلة الأولى كاختلاف طبقي من الناحية المالية، فمن يسكن في نيو جيزة هو أعلى دخلًا ماليًا ممن يسكن البلد، على سبيل المثال. ولكن الموضوع أعمق من ذلك بكثير، ولو كان الاختلاف طبقيًا فعلًا، لما كتبت هذه المقالة، كون هذا الاختلاف حالة طبيعية في كل مدن العالم المكتظّة.
إذًا، ما هو الاختلاف يا يعرب؟
عصر التنوير في أوروبا :
خلال القرن السابع عشر وتحديدًا في فرنسا، بدأت حركة التنوير 1685. كانت هذه الحركة تدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وتمكين العقل والمنطق كمشرّع لأمور الحياة اليومية. كما دعت هذه الحركة إلى التحرر على كافة الأصعدة، والبحث والاستكشاف،بزعم أن الإنسان هو المسير والمقرر للمنظومة الأخلاقية، خلافًا على ما كان عليه الحال قبلها، حين كانت الكنيسة هي المسؤولة عن تلك المنظومة.. خلال هذه الفترة المحورية في تاريخ الغرب، وتحديدًا في عام 1776، وُلدت الولايات المتحدة الأمريكية بعد استقلالها عن الحكم البريطاني. وبملاحظة عامة، نجد أن ولادة أمريكا كانت من ضمن نتائج حركة التنوير، كونها جاءت ضمن السياق التاريخي والقيم التي تبنّتها أمريكا في تأسيسها.
أسلوب حياة :
برأيي، أمريكا اليوم هي الدولة الأعظم على كافة الأصعدة ، يتضمن نفوذها العالمي تصدير ثقافتها الخاصة. وخُلاصة أي ثقافة، باعتبار أنها “الناتج الإجمالي لمحصلة العقل الجمعي لمنطقة معينة”، تكمن في أسلوب الحياة الذي يعيشه الفرد. كما سردت في الفقرة السابقة، فإن ما يعيشه الفرد الأمريكي من أسلوب حياة هو نتاج سياق ثقافي تشكّل خلال أكثر من 300 سنة من التحولات السياسية والثقافية.
ولكن، ما علاقة كل هذا بحي السويدي؟
الانقسام النفسي:
ما يعيشه الشاب المصري في نيو جيزة، التي تمثّل Egypt، هو عبارة عن استيراد معلّب لأسلوب حياة أمريكي، وإلى هذا الحد لا أجد مشكلة، فالبشر منذ الأزل يتلاقحون ثقافيًا، وهذا شيء طبيعي في حال الأمم. ولكن ما يحدث اليوم هو عبارة عن استيراد أسلوب حياة كامل، يبدأ من الماتشا والبيلاتس، وينتهي بطموح تأسيس شركة مليارية في السيليكون فالي حتى أحقق ذاتي العليا.
فما يعيشه الشاب العربي من أسلوب حياة هو أعمق من مجرد تمظهراته الخارجية، لكنه متجذّر في مشاعره وأفكاره. فهو يعيش مخاوف لا تمتّ لمحيطه المباشر بصلة، ويعيش طموحات لا تتناسب مع سياقه الثقافي. فعلى سبيل المثال لا الحصر:
عندما يود شاب “كول” الارتباط بفتاة “كول” أيضًا، فإن كليهما يتبنيان أسلوب الحياة الأمريكي، الذي تُعدّ إحدى قيمه العليا الانفتاح والمساواة. لا أجد في هذه القيم مشكلة، ولكن الأمريكي يعيشها في سياق مرتبط ومتجذّر، في حين أن الشاب العربي لم يعش أسلافه ما عاشه الغربيون من ثورة تنويرية قبل 300 سنة.
الشاب العربي وُلد على منظومة أخلاقية إسلامية أو مسيحية محافظة، لا ترى الانفتاح الجنسي كقيمة عليا، ولا تحفّز أبناءها على السعي خلف الماديات أو تقييم الناس على هذا الأساس. لم يُربَّ على الفردانية الحادة، فأبواه عاشا التكافل الاجتماعي بشكل حقيقي، وإحساس العائلة الممتدة متجذّر في سياقه الثقافي والنفسي. لكنه يجد نفسه مضطرًا لقبول واقع خارجي لا يتناسب مع حالته الشعورية الداخلية. فقد يقبل بتعدد العلاقات بينه وبين شريك حياته من باب أن يبدو رائعًا ومتحضّرًا، وفي داخله الكثير من المقاومة والتباين. وهذا هو تعريف الاضطراب النفسي الذي أسلفت ذكره.
التضمين الثقافي:
لا بدّ أن نرى واقعنا بشكل أصدق، وذلك عن طريق المشاهدة من الداخل إلى الخارج، وليس العكس. لا بأس أن نتفاعل مع الثقافات العالمية، ولكن لا بدّ لنا أن نبدأ بالتفاعل من دواخلنا، لا مما يفرضه النظام العالمي من معايير تحدد ما نود أن نشعر به في حياتنا اليومية.
فمن يقطن السويدي لا يُعدّ أقل ممن يسكن الياسمين بأي شكلٍ كان، ومن يسكن نيو جيزة ليس بالضرورة أن يكون متحضرًا بسبب ارتدائه من ماركة Alo. التقدّم الحقيقي الذي جعل من أمريكا ثقافةً مُلهمة هو الصدق الداخلي، والتناغم بين ما يُعاش في الداخل وما يُظهر للخارج.
فعند مشاهدة ما تقدّمه منصات البودكاست الأمريكية، على سبيل المثال، تجد أن الحوارات التي تُعرض للعامة لا تختلف بأي شكلٍ من الأشكال عمّا يعيشه أصحابها في الخفاء مع أصدقائهم. فهو يعبّر عن ذاته كما هي، دون مخاوف اجتماعية، ولا حالة نفاق تصنع حالة تباين واضحة بين ما يفعله في الخارج أمام المجتمع، وما يدور في داخله. ولأن لكل ثقافة مميزاتها وعيوبها، فعند استيراد أسلوب حياة كامل من مكانٍ ما دون سياقه الثقافي، فإنك لا تستطيع ملاحظة آثاره عليك بدقة، ويصبح كلّ ما فيه من عيوب مجرد اعتلالات نفسية غير واعية.
وهذا ما يصنع لنا جيلًا مضطربًا، خارج سياقه، غير قادر على الانسجام مع محيطه. وهذا لا يصنع مجتمعًا صحيًا أبدًا.
وأنا لا أريد تغيير المجتمع، أريد تغيير نفسي. ماذا عنك؟