جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2025

هل يتحدث الرجل والمرأة اللغة نفسها؟
19 كانون الثاني
العلاقات

هل يتحدث الرجل والمرأة اللغة نفسها؟

19 كانون الثاني

|

العلاقات
بدعم من

قد يظنّ الرجل أنه أنهى النقاش حين يقول لزوجته: «أنا بخير، لا تشغلي بالك». غير أن الليل يطول، والزوجة تتساءل: لماذا قالها بتلك النبرة؟ هل يخفي أمرًا ما؟ وفي اليوم التالي، تروي له ما أثقل يومها من تفاصيل، فيسارع هو إلى طرح حلولٍ جاهزة، بينما لم تكن تنتظر منه سوى أن يقول: «أنا أفهمك». 

هذا المشهد البسيط يتكرر في آلاف البيوت، وفي أماكن العمل والمقاهي، ورسائل الهاتف، نستخدم اللغة ذاتها، لكننا لا نقصد المعنى نفسه. صاغ جوان غراب هذه الفجوة في كتابه “Men Are from Mars, Women Are from Venus بأسلوب رمزي حين شبّه الرجل بالكائن القادم من المريخ والمرأة بالآتية من الزهرة، وكأنهما يتحدثان بلغتين مختلفتين! لكن يبقى السؤال الأعمق: هل يمكن أن نجد لغة مشتركة؟

الاختلاف في التعبير – حين يتكلم القلب والعقل بلغتين مختلفتين

يرى جون غراي أن جذور سوء الفهم تكمن في اختلاف أسلوب التعبير بين الجنسين. فالرجل يرى في اللغة أداة لنقل المعلومة أو إصلاح المشكلة أو تقديم قرار. فإذا اشتكى من أمرٍ ما، فعادةً ما يريده هو البحث عن حل. وإذا كان المستمع للشكوى؟ فهو غالبًا مستعد لتقديم حل أو رأي عملي. أما المرأة فتنظر إلى اللغة كمساحة للبوح والمشاركة؛ لا تبحث بالضرورة عن حل، بقدر ما تحتاج إلى من يصغي إليها ويشعر بها. أي أنها تسعى قبل كل شيء إلى مساحة عاطفية.

هذه الفجوة تؤكدها دراسات في علم النفس الاجتماعي؛ ففي بحث نُشر في Journal of Social and Personal Relationships، تبيّن أن النساء يمِلن إلى استخدام اللغة لبناء الروابط، بينما يميل الرجال إلى توظيفها لحل المشكلات. وفي الحياة اليومية يتكرر المشهد ذاته في بيئة العمل: الموظفة تشرح لرئيسها الضغوط التي تواجهها، فيفسر هو حديثها على أنه شكوى تستدعي تعديل الخطة، بينما هي أرادت فقط أن يُدرك أنها إنسانة قبل أن تكون موظفة.

الأمر لا يعني أن أحدهما مخطئ، بل أن لكل جنس طريقته المختلفة في التعبير عن ذاته وفهم الآخر. والوعي بهذا الفرق هو الخطوة الأولى لتجاوز سوء الفهم.

الدراما والسينما كمرآة للفجوة

الفن غالبًا يعرض ما لا نجرؤ على قوله، ولذلك كانت السينما والدراما مرايا صافية تُظهر لنا حجم الفجوة بين الرجل والمرأة، وتصوغها في شخصيات حيّة:
في فيلم ( La La Land نجد “سيباستيان” الفتى الذي يطارد حلمه الفني بلا هوادة، و”ميا” الفتاة التي تبحث عن علاقة تمنحها الأمان. كلاهما أحب الآخر، لكنهما كانا يتكلمان بلغتين مختلفتين: لغة الحلم الفردي ولغة الشراكة! النتيجة كانت الانفصال في النهاية، رغم أن الحب لم يمت.

المسلسلات العالمية أيضًا قدّمت أمثلة واضحة:

  1. في Friends، العلاقة بين “روس” و”رايتشل” كانت مليئة بالجدالات التي لم تكن عن الحب ذاته، بل عن تفسير الكلمات والوعود؛ فعبارة “لقد كنا منفصلين لفترة” بالنسبة لروس لم تحمل نفس المعنى الذي عنته رايتشل، فتحولت إلى خلاف طويل.
  2. وفي This Is Us، يظهر كيف يمكن لسوء الفهم البسيط أن يتضخم بين الزوجين “ريبيكا” و”جاك”، حين لا يُترجم أحدهما صمت الآخر بشكل صحيح.

أما في الأدب العربي، فقد جسّد نجيب محفوظ في رواياته صراع اللغة بين الرجل والمرأة. ففي بين القصرين، تواجه شخصية “أمينة” صرامة السيد أحمد عبد الجواد، حيث يتحول الصمت والخوف إلى لغة بديلة، فتعيش المرأة في عالم عاطفي لا يصل إليه الرجل. حتى الدراما العربية الحديثة، كما في بعض المسلسلات المصرية والسعودية، تُظهر هذه الفجوة: الرجل الذي يرى النقاش مضيعة للوقت، والمرأة التي ترى النقاش حياةً بحد ذاتها!

الدراما إذن ليست مجرد ترفيه، بل مرآة تفضح صعوبة التقاء اللغة “المريخية” واللغة “الزهرية”.

حين تصنع الحكايات لغتنا

التواصل البشري لا يقتصر على الكلمات فقط، بل على الحكايات التي نحملها عن أنفسنا وعن الجنس الآخر. فالرجل يدخل العلاقة وهو ابن قصص سمعها عن “قوة الرجل” و”حكمته”، والمرأة تدخلها وهي ابنة حكايات عن “الأنوثة” و”الحنان” و”الاحتواء”. هذه القصص القديمة تسبقنا إلى كل حوار، وتتحكم في تفسيرنا للغة.

في الروايات والأفلام نرى ذلك بوضوح: فـ”قيس وليلى” لم تكن مشكلتهما في الحب ذاته، بل في الحكايات التي كبّلتهما: رجل موعود بالعقل والقوة، وامرأة مرسومة كرمز للضعف والانتظار. وحتى في الحكايات الشعبية، يُصوَّر الرجل بطلًا مغامرًا، بينما المرأة تنتظر عودته.

لكن ماذا لو تخلّينا عن هذه الحكايات؟ ماذا لو كتب كل طرف حكايته الخاصة بعيدًا عن أساطير الجنسين القديمة؟ حينها سيكتشف الرجل أن الرجولة ليست قيدًا لغويًا يحصره في الإجابة المختصرة والحلول الباردة، وستكتشف المرأة أن الأنوثة ليست عبئًا يلزمها بالاستماع الدائم والتعبير المستمر.

في مسلسل Gilmore Girls مثلًا، تتجلى فكرة أن الحكاية الشخصية قد تخلق لغة جديدة: الأم والابنة، كلتاهما نساء، لكن لغتهما ليست لغة “الأنوثة التقليدية”، بل لغة صاغتاها معًا عبر الحوار والضحك والسخرية. إنها لغة تعكس حكاية مختلفة، لذلك بدت أكثر صدقًا وحميمية.

إذن، الفجوة بين الرجل والمرأة ليست مجرد كلمات، بل ميراث من الحكايات التي جعلت كل طرف يتكلم من نص قديم. ولعل التحدي الحقيقي ليس في إصلاح اللغة، بل في كتابة حكاية جديدة نصوغ بها طريقة كلامنا وفهمنا.

نحو لغة مشتركة

هل يمكن أن نخلق لغة ثالثة؟ ليست لغة الرجل وحده، ولا لغة المرأة وحدها، بل لغة إنسانية مشتركة؟

دعت الفيلسوفة سيمون دي بوفوار في كتابها الجنس الآخر (1949)، إلى تجاوز الأدوار الجاهزة. لم ترَ العلاقة بين الرجل والمرأة كصراع، بل كفرصة لإعادة تعريف الشراكة. فاللغة المشتركة لا تُولد من إنكار الاختلاف، بل من قبوله وصياغته من جديد.

تشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن الأزواج، مع مرور الوقت، يبتكرون “لغة خاصة بهم” مليئة بالرموز، والنكات المشتركة، والإشارات التي لا يفهمها أحد سواهم. هذه اللغة الثالثة تنشأ حين يدرك الطرفان أن الاختلاف ليس تهديدًا، بل مادة لبناء خصوصية مشتركة. ويمكن ملاحظة ذلك في الأزواج الذين يتواصلون بنظرة واحدة تكفي، أو في العائلات التي تحوّل جملة بسيطة إلى رمز عاطفي بينهم. إنها لغة ليست مريخية ولا زهرية، بل إنسانية بامتياز.

الرجل والمرأة لا يتحدثان اللغة نفسها تمامًا؛ لكل منهما قاموسه الخاص، ونبرته، وخلفيته. وهذا لا يعني أن اللقاء مستحيل. الفجوة حقيقية، نعم، لكنها ليست قدرًا محتومًا.

إن الوعي بالاختلاف هو الخطوة الأولى، والفن والأدب يعكسان لنا مرآة نفهم منها ذواتنا، لنتجاوز الثنائية الصارمة ونبني لغة مشتركة. وإلى ذلك الحين، سيبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن مستعدون لأن نصغي إلى الآخر بلغته، لا بلغتنا فقط؟

9
0
اشتراك
تنبيه
guest

0 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

أن تملك أذنًا مدركة
29 آب
العلاقات
8 دقائق
دعوة على مأدبة رمضانية
18 نيسان
الروحانيات
4 دقائق
حي بن يقظان في السعودية، السفر التأملي
11 تموز
السفر
10 دقائق

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً