جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2025

اعتناق اللاشيء في عالم غير محايد
13 كانون الثاني
النفس والعاطفة

اعتناق اللاشيء في عالم غير محايد

13 كانون الثاني

|

النفس والعاطفة

من الوهلة الأولى، وقبل إنهائك هذا المقال، قد يبدو لك العالم محايدًا في كل الاتجاهات التي تنظر فيها، بيد أن ذلك كُلّه غير صحيح، ويخفي ضمنه كثيراً من الانحيازات التي لا يستدركها العقل اللاواعي. ومن الممكن ملاحظة عدم الحياد –اللاحياد– في الأساليب التي تعلّمها التجّار من أدوات هندسة الاختيار، إذ تُصمَم البيئة من حولنا بما يضمن دفعنا نحو تبنّي سلوكيات معيّنة. 

فعلى سبيل المثال، لن تدخل في يوم من الأيام محلًا تجاريًا يوفر مجموعة واسعة من المنتجات الاستهلاكية والغذائية في مكان واحد، وتجد أن الحلويات التي يقتنيها صغار السن في رف غير الرفوف الأقرب للأرض أو في مقدمة المحل.ويعود السبب لتسهيل اختيار تلك المنتجات الاستهلاكية على الفئة المستهدفة: الأطفال.

بالإضافة إلى أن كثيراً من واجهات المستخدم التي تتبناها تطبيقات التواصل الاجتماعي اليوم تخلو من الحياد، وتتعمد استهداف وقتك وانتباهك ومشاعرك بما يخدم خوارزمياتها، وتعرّضك لأكبر قدر من الإعلانات. وبطبيعة الحال، كِلا المشهدين يبدوان بسيطين، لكنهما يوضّحان حقيقة أساسية: لا وجود لعالم محايد، حيث أن كُل تفصيل في البيئة من حولنا يوجّه سلوكنا وقراراتنا.

ولذا، فإن كثيراً من الأصوات المنادية بمقاومة “لاحياد” عالمنا ومواجهة شراسة هندسة الاختيار واقتصاد الانتباه، مثل كتاب How to Do Nothing للكاتبة جيني أوديل، تسعى لتقديم فهم أشمل لأساليب الحياة التي تساعدنا في التغّلب على سطوة “اللاحياد” من خلال اعتناق “اللاشيء” في أبهى صوره وتطبيقاته..

معمار الاختيار وهندسة السلوك

قد يتبادر إلى ذهنك الآن عشرات الأمثلة، ولا ضير في ذلك؛ فالحقيقة أن مفهوم “اللاحياد” في عالمنا لا يقتصر على رفوف المتاجر أو واجهات التطبيقات الرقمية، بل يمتد إلى ما يطلقان عليه ريتشارد ثايلر وكاس سنستين في كتابهما Nudge: Improving Decisions about Health, Wealth, and Happiness بـ “هندسة الاختيار” (Choice Architecture). 

ينص هذا المفهوم -إذا أردنا تبسيطه- على فكرة أساسية مفادها أن الطريقة التي تُرتّب بها الخيارات من حولنا هي التي تحدّد سلوكياتنا، حتى وإن لم نكن واعين بذلك. واللافت أن جوهر هذا المعمار لا يتعارض مع الحرية الشخصية أو الحق في الاختيار، بل يستند إلى نتائج أبحاث سلوكية واسعة ليوجّه قراراتنا بلطف نحو الخيارات التي يراها مُصمّم البيئة أكثر فائدة لنا.

وبغض النظر عمّا سبق، وعلى سبيل الاستطراد، قد يُستثمر أسلوب هندسة الاختيار لتعزيز السلوكيات الصحية عبر أدوات بسيطة مثل اشتراط الملصقات الغذائية على جميع المنتجات لتوضيح السعرات الحرارية لكل وجبة، وإضافة أيقونة عدد الدقائق اللازمة لحرق مشروب عالي السكر أو وجبة مليئة بالدهون، فهذه التغييرات تساعد على اتخاذ قرار أكثر وعيًا.

اقتصاد الانتباه واستعمار الوقت

إذا كانت طريقة هندسة الاختيار توضح كيف يمكن للبيئات المصمَّمة بعناية أن تدفعنا نحو سلوكيات معينة، فإن ما يُعرف اليوم بـ “اقتصاد الانتباه” يذهب إلى ما هو أبعد، إذ لا يكتفي المُصمم بتوجيه خياراتنا، بل يسعى لامتلاك وقتنا نفسه واستعمار وعينا. 

وليس وصف “الاستعمار” هنا مبالغة، فالحقيقة أن وقت المستخدم وانتباهه أصبحا سلعة تُباع وتُشترى؛ فإن كان المنتج مجانيًا، فتأكّد أنك أنت السلعة. وفي هذا الاقتصاد، تُختزل قيمة الإنسان في الدقائق التي يقضيها أمام الشاشة، وعدد النقرات التي يقوم بها، وكمية الإعلانات التي يتعرّض لها. 

وهنا أستشعر الخطر الأكبر الذي لا يكمن في ضياع الوقت وحسب، بل في تقلّص قدرة الإنسان على التركيز، وتراجع ملكة التفكير العميق، وتآكل روابطه بالعالم الحقيقي من حوله.

وبالتالي، تبرز الحاجة إلى مقاربة حياتية مختلفة تعيد لنا زمام السيطرة على وعينا ووقتنا؛ تلك المقاربة التي تقترحها جيني أوديل تحت مسمّى “اعتناق اللاشيء”؛ ليس أن يفر المرء من العالم، بل أن يقاوم بشراسة ليعيد نفسه إلى مركز المشهد.

اللاشيء كمنهج ومقاومة

قد يبدو “اللاشيء” للوهلة الأولى دعوة إلى الكسل أو الانسحاب من المسؤوليات اليومية، غير أن جيني أوديل في كتابها How to Do Nothing تعيد تعريف هذا النهج كفعل مقاومة واعٍ ضد استعمار الوقت والانتباه. 

فاللاشيء هنا ليس غيابًا أو فراغًا، بل مساحة جديدة يُعاد فيها تشكيل علاقتنا بالزمن والمكان والآخرين؛ فعلى سبيل المثال، أنا أقدّس جدًا يوم السبت وأتخذه كيوم لممارسة اللاشيء، إذ أنّي أستعيد فيه شيئًا من الوقت لي ولما أسعد بعمله وإن كان لاشيئًا ولمن لهم حق عليّ ممن هُم حولي.

والأهم من ذلك كلّه، أن نجعل من ممارسة اللاشيء فرصة للانفصال المؤقت عن ضوء الشاشات ودوامة الإشعارات؛ كأن نتأمل الطبيعة من حولنا، أو نصغي إلى أطفالنا، أو نشارك في فعلٍ جماعي بسيط كالمشي أو الكتابة أو الرسم بعيدًا عن ضغوط الإنتاجية والسعي. 

أقصد أن بهذا المعنى –وكما ترى جيني– يغدو اللاشيء ممارسة إيجابية تُعيد إلينا إنسانيتنا المفقودة في عالم لا يتوقف ولا يهدأ أبدًا. بالإضافة لذلك، علينا أن نعي أن هذا المفهوم والأسلوب الذي يدعو إليه ليس ترفًا فلسفيًا، بل استراتيجية حياتية لمواجهة لاحياد عالمنا ومحاولة عملية لاستعادة التوازن بين الإنسان وذاته ومجتمعه.

وهنا وبعد قراءتك القصيرة في اللاشيء ومعمار الاختيار، أتمنى أنّك أدركت مثلي أننا لا نعيش في عالم ينعم بالحياد، بل في عالمٍ صُمِّم ليسهّل لنا ما هو مناسب من القرارات. ولذا فهذه رسالتي إليك الآن، لتجربة اللاشيء ولو مرة في كُل أسبوع.

لا تجعلها هروبًا من الحياة، بل مقاومة جادة وهادئة تعيد لك صوتك الداخلي، وتذكّرك بأننا بشر قبل أن نكون مُستهلِكين، وأن للوقت قيمة أسمى من أن تقاس بمدة إعلان أو نقرة شاشة.

0
0
اشتراك
تنبيه
guest

0 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

قصصنا حصوننا
8 كانون الأول
الأدب والفلسفة
7 دقائق
أبحث عن بُرجي
8 آب
النفس والعاطفة
6 دقائق
خطة عاجلة لعيدٍ سعيد
10 نيسان
النفس والعاطفة
6 دقائق

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً