جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2025

حُرة مثل فراشة
1 كانون الأول
النفس والعاطفة

حُرة مثل فراشة

1 كانون الأول

|

النفس والعاطفة

نسمع كثيرًا عن تأثير الفراشة وكيف أنها من الممكن أن تُحدث بركانًا أو اعصارًا لأنها قررت أن ترفرف بجناحيها في تلك المنطقة، إلى جانب قدرتها على التأثير في حالة المناخ رغم أنها فراشة فقط. هذا كله تشبيه مجازي يشير إلى أثر الأحداث متناهية الصغر على العالم من حولنا، وكيف أن تلك الأحداث الصغيرة تُحدث فرقًا هائلًا دون أن نشعر، ومعظمنا يعرف تأثير الفراشات في المعدة عندما يأتي الحب دون دعوة والحماس لرؤية مَن نحب، حينما تلتقي الأعين ويحدث الارتباك اللطيف، وكيف تصل الفراشات إلى حنجرتنا بمجرد سماع صوت ذلك الشخص، فنتأتئ في الحديث. 

لكن ماذا عن حرية الفراشة؟ سألت نفسي هل سبق وشعرتْ بتلك الحرية؟ عندما أصادف فراشة في طريقي وذلك لا يحدث إلا خمس مرات تقريبًا في السنة – مجرد تخمين – أنظر إليها بتمعّن دون أن أتحرك لكيلا تهرب مني بجمال جناحيها وخفتها. فتذكرني الفراشة بالحرية.

الحديث عن الحرية سهل ومُعقد، حتى أنه موضوع قابل للنقاش لساعات طويلة يتخللها رفع الصوت والحديث بحماس مع الاعتراض والتأييد، لكن له أثر عميق مثل تأثير الفراشة، فالحرية تحيي وتنقذ وينجو معها الكثيرون سواء كانت الحرية فكرية أو جسدية، أردتُ أن أشعر بها ولكني استدركتُ أحيانًا أننا نطالب كثيرًا بالحرية وننسى أن نمنح الحرية لأنفسنا أولًا. 

حين أسأل أي شخص أمامي عن معنى الحرية سأحصل على أجوبة لا حصر لها، فمن الممكن أن تجد إجابات مثل الحرية لفلسطين بهزيمة اليهود واسترجاع أرضهم، أو الحرية المالية لكل فقير، أو الحرية النفسية من العقد والمخاوف والصدمات، الحرية من الخوف والتردد. 

كأي شخص من أولئك الذين يجيبون عن معنى الحرية، فكرتُ كيف أكتبُ عن الجانب الذي أراه من هذا المصطلح، قبل أن أدخل في تفاصيلها، أريد التنويه لكل مَن يقرأ أنه معنى غير سطحي قطعيًا، أتمسك بإيماني وحريتي دون الخروج عن الدين ولطالما كان كذلك. 

الآن أتعمق في الحديث، الحرية أن أستطيع الغوص في محيط عقلي وإدراك كل ما يبحر في داخلي بيقينٍ ودونما شك، ألا أشعر بالتقييد لأحكام الآخرين، ألا أحُكم نفسي بغرفة مغلقة دون نوافذ، أن أتنفس الهواء وأسمع تغريد العصافير دون أن يقاطعني أحد، أن أنظر إلى السماء التي تُلهمني مئات الأفكار، أن أمشي أقدر المستطاع دون أن يوقفني عائق، أن أعبّر عني دون خوف أو تبرير، أن أتجرد من كل علاقة وصداقة لا تناسبني. أعتقد أنها رغبة بعيدة المنال ولكن تستحق السعي لأجل الوصول إلى نشوة الحرية، أتخيلها كما لو أنه أصبح لدي جناحان فأمشي بخفة دون أن أشعر بثقل خطواتي على الأرض.

وجدت الحرية بالتعرف إلى نفسي ومعرفة قيمتي الثمينة وحقيقتي وندوبي قبل حسناتي، فكان يجب أن أتقبلها لأشعر بالحرية الكاملة حتى أنجو مما يحاصرني من قيود وأعترف بأخطاء الماضي وأتخلص منها بعد أن أثقلت أجنحتي، أريد أن أعيش الحاضر بكل اطمئنان وجاهزية للمستقبل.

البدايات دائمًا أجمل لكن مرحلة التعرف إلى نفسي لم تكن جميلة، بدأتْ بصعوبة وتعرقلت آلاف المرات وحتى عندما اعتقدتُ أني وصلت ووجدت نفسي تخللت من بين يدي وفلتتُ، فأعدت المحاولات كي ألم شمل كياني.

في النهاية، أحببتُني بكل نسخة مررتُ بها وتعلمتُ  من دروس الحياة ما أمكن، وكلما تقربت إلى نفسي أكثر، تحررتُ بشكل أكبر حتى صرتُ أشعر أني أخف. بدأتْ حريتي عن طريق الفضول تجاه الأمور التي أحبها، أو أخاف منها أو أسعد بها أو أحزن بسببها، ماذا يضحكني؟ ومَن يجذبني؟ كيف أنظر إلى العلاقات والصداقات والأشخاص؟ وحتى ما يغضبني وكيف عليَّ أن أتعامل مع انفجاري وانهياري لكي أهدأ وأعود إلى حالتي المستقرة دون أن أكسر مَن أمامي.

حين تغمرني الحماسة لأتعرف إلى غريب، تراودني مئات الأسئلة، بعدها أُدرك أن أكثر مَن هو جدير بكل تلك الحماسة والرغبة في الاستكشاف هي ذاتي، فلطالما بحثتُ في الخارج ونسيتُ التعرف إلى مَن أنظر إليها في المرآة كل يوم. الحرية هي ألا نفكر برأي أي شخص حين ينظر إلينا.

تعلمتُ أن الحرية ليست بالتعلق بكيان أو مكان أو مبدأ معيّن، بل بالانحياز عن كل ما يبعدني عن صوت عقلي وقلبي وعما يحجب الضوء عن عينيّْ. 

 
33
1
اشتراك
تنبيه
guest

5 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

الإيثار‎ ‎الفعّال:‎ ‎كيف‎ ‎تبلغ‎ ‎عاطفتنا‎ ‎المعطاءة‎ ‎أقصاها
28 آذار

|

النفس والعاطفة
وقت القراءة: 4 دقائق
الآنسة أرق
25 أيلول

|

النفس والعاطفة
وقت القراءة: 6 دقائق
دعوة على مأدبة رمضانية
18 نيسان

|

الروحانيات
وقت القراءة: 4 دقائق

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً