تخيل نفسك في يوم ما مفعما بالحماسة، متطلعا لزيارة مدينة الملاهي،
ثم تنطلق إلى هناك، وخلال تجولك في تلك المدينة رأيت أشخاصًا يحملون دمى كبيرة من الواضح عليهم أنهم كسبوها من مكان واحد، تتبعت المكان الذي يأتون منه، وإذا بك وصلت إلى لاعب خفة ينادي:
-“من يلعب ويكسب؛ يحظى بكل ما كان يرغب!”
بمجرد أن تستقر كلماته في أذنك، غمرتك حماسة الفضول وتقدمت نحوه حتى وصلت، وقلت:
-“أنا!”
-“إليك ثلاثة أكواب فارغة، وهذه كرة، سأخبئها في إحدى الأكواب واخلطهم بنمط عشوائي، وإذا وقعت على الكوب الذي بداخله الكرة تفوز، فهمت؟”
وفور أن أومأت برأسك، ودفعت ثمن اللعبة، تراه يضع الكرة بخفة في الكوب الذي في المنتصف، عينك عليه، ثم يبدأ بخلط الأكواب، وعينك لا تفارق كوب الكرة، يتحرك يمنة ويسرة، يستمر في الخلط حتى تشك في أنه سيتوقف ثم يتوقف، ويقول:
-“أين هي؟!”
-“هنا!”
يكشف عن الكوب الذي في المنتصف، والكرة ليست بداخلها، يقول:
-“لك محاولة أخرى”
-“إذا هذه!”
يكشف عن الكوب الذي في الميمنة، والكرة ليست بداخلها، يقول:
-“لك محاولة أخيرة”
لا تصدق السخاء الذي يعطيه إياك لاعب الخفة، فتشير نحو الكوب الوحيد، ويكشف عن الكوب الذي في الميسرة، وتجد أن الكرة ليست بداخلها!
فتصاب بالاستغراب، وقبل أن تسأل، يقول:
صحيح أني أعطيتك خيارا، لكني لم أعدك أن الخيار الصحيح متوفر من ضمنها، أزل عن وجهك هذه النظرة، لست مدينًا لك بشيء، ليس بيني وبينك ما يلزمني على تلبية ما زعمت أني سأعطيك!
ماذا حدث في مدينة الملاهي؟
طمعت في كسب ما رأيت لدى غيرك،
دفعت الثمن على ما لا ضمانة لك في الحصول عليه، لا ملامة على اللاعب، اخترت أن تشارك وخسرت، والأمر باختصار: لاعب الخفة لم يردك أن تفوز، مهما فعلت لن تفوز، ولكن عندما يريدك أن تفوز، سيحرص على فوزك؛ ويضع كرة في كل كوب من الأكواب الثلاث، ثم يعطيك وهمَ الاختيار!
تستطيع إسقاط ما سبق على كل ما ليس لديك؛ ضمانًا للحصول عليه، أن تحرص على أن لا تقع في أي خطأ لا يعني بالضرورة نجاحك، فهناك أمور تستدعي الحظ، وفي تلك الأمور علينا تقبل الخسارة دون أن نمنطق السبب خلف تلك الخسارة، لعلها وظيفة في مكان معين، طالما حلمت في الحصول عليها وعندما وصلت إلى المقابلة، وجدت أن الأمر توقف عند ذلك الحد.
لعلها علاقة حب استمرت وتطورت وبدت وكأنها حقيقية، وقبل أن تسبح بخيالك في ذلك العالم الوردي الذي تصبح فيه الحياة ذات معنى، يتلاشى كل شيء دون أن تستطيع وضع النقاط على تلك الحروف المبهمة، تحللُ أفعالك وإذا بك قمت بما هو صائب بالنسبة لك، ولكن النتيجة هي: هزيمة واضحة، فتشك في ذاتك ولكنك لست السبب، كما أسلفنا سابقا: لاعب الخفة لم يرد منك أن تفوز.
هل يعني ذلك أن لا تراجع نفسك أبدا؟
كلا، إنما كُن مستعدا للفرصة فهناك أكثر من لاعب خفة، وعليك دائما أن يكون في حوزتك ثمن اللعبة، ثمن المحاولة، واترك الباقي الذي هو خارج عن سيطرتك.
هذه خاطرة نبعت من تجارب لدى شخص كثير الشك بحيال نفسه، يشك في كونه جديرا، يشك في كون أفعاله صحيحة، يشك في كون أفكاره صحيحة، سوى أن ما بقى ثابتا دون أن يعتريه الشك هو عزيمته نحو النجاح، مهنيًا واجتماعيًا ونفسيًا.
والآن أشارككم عبر تلك القصة القصيرة: كيف أن هذه العزيمة التي لا يعتريها الشك، غير كافية لأن تصل بك إلى النجاح، وأيضا أن الفشل ليس كافيا لأن تصل بك إلى حد اليأس!
مقولة استوقفتني، تقول:
“الناس لا يتجرعون الألم إلا عندما يأخذون بجدية ما خلقه الله للعب”.
ومثال اللعب معبر لكون الأيام لا توجهنا في اتجاه معين، هناك وهم التقدم نحو شيء ما ولكن مع الوقت تدرك أن لا ثمة وِجهة، هي تجربة فحسب، تماما كالألعاب والأغاني، لست تخوضها أو تسمعها لتصل إلى نهايتها، وإنما لإستشعار التجربة؛ لذلك هي مدينة ملاهي، وعليك أن لا تكون وجها جادًا في تلك المدينة، استمتع بما لديك، ولا تغتر بمن يحملون الدمى والهدايا الكبيرة من حولك وتطمع أن تكون مثلهم.
بداية سنة جديدة، محطة للمراجعة والتقييم الذاتي، ووضع الأهداف الجديدة،
ونصيحتي: ضع هدفا تستطيع بلوغه،
ولا تجعل الهدف كبيرا إلى الحد الذي يجعل ذلك الصوت المثبط بداخلك يخبرك أن تحقيقه مستحيل، اكتب أهدافا سهلة تستطيع تنفيذها في الحياة اليومية، فالطموحات الكبيرة قد تخدرك، وكُن مستعدًا للقاء لاعب الخفة القادم، ولا بأس إن لم تفز في لعبة العثور على الكرة.