جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2025

الاجترار العقلي، حينما تكون المعلومة وباء!
16 كانون الأول
الروحانيات

الاجترار العقلي، حينما تكون المعلومة وباء!

16 كانون الأول

|

الروحانيات

الحياة بالنسبة لي هي تجربة شعورية بحته، فنحن نتنقل بين المشاعر كالفراشة بين الزهور!

تستيقظ على شعور وبمجرد قراءة خبر، أو رؤية صور، أو تذوق طعم، أو شم رائحة معينة ننتقل تمامًا من مكان إلى مكان آخر. 

بالنسبة لي؛ التنقل بين الشاعر أشبه بالتنقل بآلة عبر الزمن، التنقلات يمكن أن تكون عميقة وبعيدة وبسرعة الضوء، فالإنتقالة بين الحب الشديد للكره الشديد ليست بمسافة بعيدة، ماهي إلا لحظة تهوي بك من لذة جنان الهيام والحب إلى قاع الكُره السحيق!

وقفة 

في آخر سنين حياتي كان التأمل ظاهرة استثنائية اكتشفتها أو اكتشفتني،

من خلالها تعلمت الكثير وعلِمت أكثر، وكان أعظم ما راقبته وفهمته بشكل كبير هو العقل البشري، لم أكن أعلم أن العقل من الممكن أن يكون بهذا التعقيد والتفاصيل والكينونة الإستثنائية المُثيرة للاهتمام، ومع مرور الوقت وتعمق تجربة التأمل في حياتي ومراقبتي اللصيقة بعقلي دون هدف معين ولكن لمجرد المراقبة والفهم، اتضح لي مفهوم وهذا المفهوم هو الهدف الأساسي من المقالة.

الاجترار العقلي 

يبدو لي أن العقل يدور في حلقة مُفرغة تدور في فضاء لا نهائي، وهذا الدوران له نمط يتكون بسبب الظروف التي نشأت عليها وتفاصيل طفولتك، التأمل أكسبني فهم نمط عقلي وتنقلاته بين الماضي والحاضر ورحلاته المكوكية للمستقبل وربطها بتفاصيل من الطفولة.،العقل هو معنى الجنون الحقيقي في حين مراقبتك له!

العقل “يجتر” وهذه أقرب كلمة أستطيع أن أصفه فيها، هنالك اجترار عقلي مستمر ولا ينقطع تعيشه كل لحظة. 

ماهي عملية الاجترار العقلي؟ 

هي حالة ينتقل فيها عقلك دون سبب واقعي حقيقي للماضي أو المستقبل ويبدأ باجترار أحداث ويربطها في ما يحدث في لحظتك وواقعك الآن.

ماهي علاقة كل ما سبق بالتجربة الحياتية الشعورية؟ 

المشاعر المُخادعة 

هل سبق ولاحظت كيف تتكون المشاعر ؟

 في البداية، أحب أن أوضح؛ أن التنقل بين المشاعر هو أمر طبيعي والمشاعر مُتغيره وهذا طبعها وطبيعتها. ولكن هُنالك إعتلال نُصاب به وهذا ما أريد توضيح النمط الذي يسببه؛ على حسب مكانك الجغرافي، ثقافتك، تفاصيل البيئة يتكون لديك نظام فكري معين، هذا النظام يعطي منظومة من الأفكار التي تترجم الواقع وتضيف إليه المعنى. 

كل فكرة مرتبطة بشعور محدد وهذا ما نعيشه بشكل مُستمر. المشكلة هُنا عندما يحدث عدم تزامن عقلي. لكن، ما هو عدم التزامن العقلي ؟ 

عدم التزامن العقلي

هو أن تعيش هذه اللحظة بمشاعر للحظات انتهت أو لحظات مُستقبلية لم تأتي بعد.

مع عدم القدرة على ملاحظة عقلك ونمط عمله يجعلك تظلم نفسك ومن معك، فالعقل يجتر الأفكار غير الموجودة حاليًا و بشكل مُستمر،  ومع كل لحظة: فكرة، ومع كل فكرة: شعور، وغالبًا ما يتم اجترار ما لا يشبه ماتعيشه الآن أبدًا (واقعك). 

الحياة ليست كمصنع إسمنت؛ تُنتَج فيه أكياس متشابهه كل يوم، رغم أننا نشعر عادةً برتابة الحياة وتشابه الأحداث فيها كل يوم، ولكن تلك فقط تصوراتنا للحياة؛ بسبب تنميط العقل للأحداث، واجتراره لنفسِ الصور التي تعطي نفس المشاعر المتكررة فنظن أن الحياة تُكرر نفسها! 

لكنّ كل لحظة هي وليدة نفسها، ولها كل الإحتمالات الممكنة، ولكن نحن حبيسوا النمط الذهني المُحكم. 

إذاً مالحل ؟

كسر النمط 

“أول خطوة لحل أي مشكلة هي معرفتها” 

كيف نستطيع التخلص من النمط الذهني الذي يتكرر باستمرار ونحن لا نعلم:

 ما هو النمط فالأصل ؟

من خلال تجربتي الشخصية: كان الحل الأساسي هو التأمل، ففي تجربتي الأخيرة في برنامج مَشفى “الصمت النبيل”، كانت الصورة واضحة للجميع بأن العقل لن تستطيع معهُ صبرا ، وأن مراقبته بشكل مستمر يوميًا، هو هدف، وحاجة، وضرورة حياتية! 

ممارسة التأمل اليومي جعلت ربط الجسور بين عقلي ورحلاته والواقع واللحظة.

فبدون عمل جاد وحقيقي للفهم والسيطرة وكسر النمط العقلي على حياتنا فسوف نبقى تحت رحمة آلة: “العقل” غير مُتزنه ولا واعية. 

التأمل -بالنسبة لي- وهبني وعيًأ على النظام الفكري فأصبحت حركة الأفكار التي لا تتوقف -وهي حالة طبيعية -“حركة واعية” وهذا هو الفرق بين المُتأمل وغيره. في يومنا الحاضر ومع الثورة المعلوماتية الهائلة أصبح العقل أكثر جنونًا من أي وقت مضى، وأصبحت المُهمة أصعب ولكنها أكثر ضرورة.

الظروف الإنسانية الصعبة

على مر تاريخ الإنسان كانت المصاعب بالنسبة له رفيق لا يفارقه أبدًا، وفي غالبية تاريخِه؛ كان يواجه الحيوانات المفترسة، الظروف المناخية الصعبة، نُدرة الثروة الطبيعية ومقومات الحياة بشكل مُستمر. 

وكان يرتحل وينتقل بحثًا عن النجاة ولهدف استمرارية الحياة، اليوم نعيش حياة آمنة من الأسود والضباع وغيرها من الحيوانات المُفترسة، اليوم لا نموت من دخول الشتاء ولكن -على عكس ذلك- نُغني حنينًا له، اليوم لم يعد المناخ حالة مُخيفة فنستطيع الحصول على ما نريد بالتطور التكنولوجي، العمراني .. إلخ. 

ما يهدد وجودنا اليوم هي المعلومة لا الحيوانات المفترسة. اليوم نعيش في ثورة معلوماتية هائلة تهدد النظام العقلي الإنساني، والأمراض العقلية أصبحت كالوباء، والإنتحار خيار مطروح لمن يبدو في قمة سعادته!

يجب أن ننظر بشكل جاد للتأمل كأسلوب حياة و لمراقبة العقل وفهمه كضرورة تُمثل نجاة أو وفاة لحياتنا.

اليوم شعور السلام هو كل ما يبحث عنه الإنسان، ولا يوجد سلام في عقل غير واعي!

22
0
اشتراك
تنبيه
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

وباء التصفح اللانهائي
3 تشرين الأول

|

التكنولوجيا والتحول الرقمي
وقت القراءة: 6 دقائق
عن الانتماء، لماذا نهرب من الوحدة؟
23 كانون الثاني

|

النفس والعاطفة
وقت القراءة: 3 دقائق
الحواجز الذهينة، نظرة في تشكل الأحكام المسبقة!
28 كانون الأول

|

النفس والعاطفة
وقت القراءة: 3 دقائق

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً