المقال موجّه لك! أنت الذي تمر عليك الأيام والليالي دون أن تفلح في تصفيف جملة واحدة، ودون أن تفهم كيف تتناثر الكلمات من بين يديك في جميع الجهات كحبات القمح، تكتفي باقتناص النظر إلى القلم والدفتر، ويخالجك شعور عميق بالذنب والهجران. هذا ما يحدث -غالبًا- لكلّ محب للكتابة، وهو ما يحدث لي كذلك. دعنا نتفق أوّلًا أن حالات العسر هذه تراود الجميع، سواء كان كاتبًا محترفًا أم مبتدئَا -باعتراف كبار الكتّاب والمؤلفين-؛ فلا منفذ من المرور بالكثير من الأمواج العاتية والمنخفضة، بلحظات الثقة ولحظات الارتياب، بالقفز فرحًا، والانكماش حزنًا وأسى. الهدف هو ألَّا تترك الكتابة مهما قابلتك بالبرود والجفاء، أن يظلّ دفترك مليئًا بالقصص والكلمات ومساحة للخيال والتوثيق وسط دوامة الحياة الصاخبة.
اليوميّاتُ هي المنقذ الأول
في كتابها: “طائر إثر طائر – بعض التعاليم حول الكتابة والحياة”، تصف آن لاموت الكتابة بصفتها أقصى درجات الصبر: “إن الأمل حالة ثورية من الصبر. اسمحوا لي أن أضيف أن كونك كاتبًا هو حالة ثورية من الصبر أيضًا” وفضلًا عن تجسد هذا الصبر العظيم في كيفية ترتيب الأفكار وجمع حبات الخرز في عقد واحد، وصياغة حبكة محكمة لكتابة مقال أو رواية قصة؛ فإنّ الأمر يتعلق كذلك بكيفية البداية، والكلمات الأولى التي يجب أن تكتب، وماهية ما يجب أن يكتب خاصةً إذا كان المرء يعاني من قفلة الأفكار والكلمات. هذا الكابوس الذي يجعل كثيرين يهجرون الكتابة كرهًا، يشعرون بالتجمُّد أمام الورقة أو الحاسوب، وبفراغ وصمتٍ رهيبٍ يحلق على الجو ويجثم على صدورهم كجبل.
الحل السحري الذي وجدته في الكثير من الأحيان -بناء على تجربتي الشخصية وتجارب بعض الكتاب- وأنا أحدق في السقف وألعن المقال أو القصة التي أمامي ألف مرة ومرة هو اليوميات. نعم، كتابة اليوميات والمذكرات حتى لو كانت بأكثر صورة فوضوية ممكنة. ابدأ بالكتابة عن نفسك، ما أكثر شيء تتذكره في طفولتك؟ ما أكثر موقف يسعدك أو يؤلمك؟ هل أحببت شخصًا ما في صغرك؟ كيف كانت تمر رحلات المدرسة؟ هل لديك عقدة معينة نبعت من الصغر؟ وهل كانت طفولتك قاسية؟ سترى كيف سيبدأ العقل اللاواعي تلقائيًّا بالعمل، وكيف ستبدأ مشاعرك في التدفق. الطفولة منبع خصب للقصص، وأعظم القصص التي قد تفلح في روايتها بشكل محكم تتعلق بشكل أو بآخر بطفولتك. لا تركن فقط إلى الطفولة، اكتب عن تفاصيل حياتك وأحلامك وقناعاتك وكل المواقف التي واجهتك في العمل أو الجامعة.
اكتب بشكل مستمر دون تفكير في الأسلوب أو كيفية الصياغة، ولا تكترث كثيرا لما تكتبه، لأن الحرص على العناية بالأسلوب وجمالية الصياغة هو ما يجعل الكاتب يستغرق طويلًا في قفلته. فقط عبر عن نفسك وعن مشاعرك بصفتك البطل الأول لقصتك ولا يمكن لأحد أن يكتب عنك أفضل منك. الهدف من تمرين اليوميات هذا هو إعادة ربط العلاقات رويدًا رويدًا مع الكتابة. ستتذكر بعدها مصطلحات كثيرة موجودة في مخزونك اللغوي وتود لو أنّك تبدأ بها قصتك أو مقالك. تذكر: “الكتابة تأتي من الكتابة”.
ضفيرةُ الكلمات
بعد تخلصك من القفلة، وشعورك بزهو القدرة على مسكِ القلم أو الحاسوب، ستبدأ رحلة البحث عن الكلمات التي تعبر كما ينبغي. وهي رحلة شاقة وتتطلب رزانة وصبرًا، وأنا أقول دومًا بأنّ إدراك المعنى أسهل بكثير من التعبير عنه. قد تكون لديك قصة قويّة ومؤثّرة جدًّا، لكنّك تخاف ألّا تعطيها حقها الكامل أثناء الحديث عنها، لأن كل كلمة تكتبها تشكل فارقًا في سير القصة. طيب من أين نأتي بضفيرة الكلمات التي تعبر كما ينبغي؟
انظر إلى هذه الحيلة التي قد تساعدك. في الصفحة الأخيرة من دفتر يومياتك، سجل كل الكلمات والعبارات التي سمعتها يومًا وأحدثت زلزلة في كيانك، تلك الألفاظ القوية التي تصيب قارئها بنشوة اللغة، وتحرك داخله شيئَا مختلفًا شبيهًا بصوت فرقعة أو انهيار جدار. كلمات كمشراقة، ملكوت، متراس، محراب، اشتباك، صاعقة، أفول، زنديق، حكاء، مجزرة، صَيْدح، فرناس، فتّاك… وغيرها. شيئًا فشيئًا، سيتشكّل لديك قاموس شخصيّ من الألفاظ والعبارات التي ستكون أسلوبك وتصبغه بطابع خاص.
لا تنسَ -وأنت في خضمّ الكتابة- أن تبحث في غوغل عن مرادف الكلمة التي ستستعملها في أكثر من سياق. فرضًا أنت محتاج لكلمة “تهدّم” في أكثر من جملة، لا داعي لتكرارها كلّ مرة. ابحث عن مرادفاتها، واستمتع بسيل الأفكار والجمل الذي سينهمر عليك. فرانتز فانون يقول بأنّ: “حيازة اللغة تمنح قدرة هائلة”، هذه القوة الخارقة ستكتسبها ببطء، ورويدًا رويدًا سيمتلئ خزّانك اللغويّ لدرجة لا تتوقف بعدها عن الكتابة.
طبعًا دعنا نتفق -قبل كل ذلك- بأن القراءة لا غنى عنها. لا يمكن لك أبدًا أن تكتب دون أن تكون قارئَا أضعافًا مضاعفة. ثمّة اقتباس بليغ للشاعر البحرينيّ قاسم حداد يلخص فيه الفكرة بشكل قوي جدًّا فيقول: “كيف تريد أن تكتب وأنت لم تعد تقرأ؛ ولا تحسن الإصغاء، ولاتحاول فك أبجدية المعرفة؟! القراءة زيت قنديلك، أيها القابع في عتمة الثقة!”
الإلهام وليدُ الصحاري القاحلة والشوارع المزدحمة
أنت الآن قادر على ضفر الكلمات، وتحسن التعبير عن المعنى، ولديك مخزون لغوي لا بأس به. طيب، من أين تأتي بالقصة التي تحكي عنها؟ ومن أين تستوحي فكرة المقال الذي يجب أن تكتبه؟ الإلهام يأتي من كل شيء في الوجود، من الأماكن التي لا تتوقّعها أبدًا، الإلهامُ نتاج الصحاري القاحلة، والشوارع المزدحمة. يقول الروائي الفرنسي مارك ليفي: “توقفوا عن المعاناة من أجل العثور على موضوع، دعوا موضوع النصّ يأتي إليكم وانغمسوا مستمتعين فيه”.
الحكاياتُ تأتي من الشوارع، والإلهام يختبئ بين النّاس العابرة في المدن المزدحمة منتظرًا من ينظر إليه. كلّ ما عليك فعله هو أن تكون قنَّاصًا ماهرًا وألّا تترك موقفًا يمرّ عليك دون ملاحظة أو تمعّن. عوّد نفسك على مهارة الإصغاء، لا تتذمّر من أخيك الأصغر الذي يحكي لك كيف سبق زميله في المدرسة ثمّ وقع في حادث درّاجة، ولا تفوّت أي تفصيل يحكيه لك صديقك عن صراعه مع زوجته بحجّة أنّه تافه وأنّك نخبويّ أكثر من أن تستمع لهكذا قصص. حتى تكون كاتبًا ماهرًا لا بد أن تكون مستمعًا جيدًا وأن تنزل لمستوى الآخرين، لأنّ هذه التفاصيل هي في النهاية ما يصنع القصة، ويتراكم ليرسم صورة الحياة اليومية.
الحكاياتُ موجودة أيضًا في الفيافي المقفرة. ألا ترى كيف أجاد شعراء العرب التعبير عن خوالجهم في صحراء خاليةٍ تكاد تنعدم فيها مصادر الإلهام؟ سكون الصحراء، وهدوئها وشساعتها جعلت الشاعر العربيّ في غنى عن التفاصيل والازدحام لتشكيل القصص. لقد جعل من الفراغ والأطلال سبيلًا للرثاء والبكاء، وجعل من منظر السماء والكثبان محط تقدير كبير وإحساس عالٍ بالجمال، وجعل من صمتها العميق منبعًا لرؤية فلسفية تتشكل بهدوء وحكمة حول الحياة والزمن والأخلاق وغيرها من المواضيع، وصار ينظر لمحبوبته على أنها العشقُ الأوحد، وأنها ينبوع الجمال والمشاعر في كل موقف ومكان.
انظر إلى عنترة بن شداد وهو يقول: “ولقد ذكرتك والرماح نواهل/ مني وبيض الهند تقطر من دمي/ فودتت تقبيل السيوف لأنها /لمعت كبارق ثغرك المتبسم” وانظر إلى زهير بن أبي سلمى وهو يلخص تجربته في الحياة في معلقة بديعة فيقول فيها: “وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسَبْ عَدُواً صَدِيقَـهُ / وَمَنْ لَم يُكَـرِّمْ نَفْسَـهُ لَم يُكَـرَّمِ / وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مَنْ خَلِيقَـةٍ
وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَـمِ” هذا الإبداع لم يأتِ في الحقيقة من صور بصرية مزدحمة، بل تولد من صحراء قافرة، قليلة المكونات البصرية، كثيرة الصمت والعمق.
الجدار العالي يحجب التفاصيل الخفيّة
لا تبحث عن الفكرة الضخمة ذات الصوت العالي، والجعجعة الصاخبة، بل أنصت إلى الأفكار الخافتة، التي لا يلتفت لها أحد، تلك التي لا تحدثُ صوتًا لكنها تؤثّر بشكل عميقٍ وفي صمت. تَطاولُ عنقِك في البحث عن الأفكار العملاقة قد يعميك عن استلهام القصص المؤثرة والحقيقية والتي قد توجد بقربٍ منك. يقول مارك ليفي: “الشوارع والمقاهي والحافلات وقطارات الأنفاق مليئة بالناس راقبوهم واستمعوا إليهم ولاحظوا سلوكياتهم، ثم أجروا ما يشبه الجراحة، اجلبوا قطعة من هنا وأخرى من هناك وأعيدوا جمعها”.
حينما بدأت أبحث عن موضوع لرواية مفترضة -لا أدري متى سأكتبها-، بدأتُ القراءة عن حرب البوسنة والهرسك، والاستعمار الفرنسي، والحرب الباردة، وكل تلك الأحداث القوية ذات الصدى والتي شكلت صورة عالمنا اليوم، في محاولة لصياغة فكرة الرواية على أساسها، لكني في لحظة ما توقفت عن ذلك. تذكرت طبيب الأسنان الذي أذهب إليه مرةً في الأسبوع، فيبقي فمي مفتوحًا ويبدأ في العمل على أسناني ورواية قصص حياته العجيبة، طفولته، وزواجه، وأولاده، وطلاقه، وشوقه لزوجته السابقة. يتحدث أحيانًا عن أفكار مستفزة، ويطلق أحكامًا خاطئة، ويصيب في مواضيع أخرى، وأنا لا أستطيع أن أوافق أو أعترض لأني فمي مثبت ولا يمكنني الكلام، فأتحول بعدها إلى منصت جيد يخرج من العيادة وبجعبته قصص لا تنتهي. لقد قررت أن يكون طبيب الأسنان هذا هو محور الرواية إن كُتبت، لأن حياته تغنيني عن ألف حادث وحادث.
توقف أنت كذلك عن البحث في حرب الخليج، وتساءل: من يمكن أن يمثل دور طبيب الأسنان في حياتك؟ وماذا يمكن أن تستلهم منه لقصتك أو روايتك أو مقالك؟ بمجرد إمساكك بطرف الخيط، ومع بعض التمرن النظري على أساليب الحبكة، وصياغة التقارير والمقالات ستجد أن الأمور بدأت تسير على ما يرام.
هذه هي النقاط الأربعة الرئيسية التي أردتُ أن أشاركك بها -كزميل ومحبّ للكتابة وراغب في الولوج إليها-، وسأختم المقال باقتباس جميل جدًّا لعبد الفتاح كيليطو أرجو أن تتذكره دومًا وأن يكون أثره عليك كنسمة الهواء الصباحية: “كنت دائمًا متأثّرًا بقول لبودلير: “قلبي عاريًا”، من الممكن أن هذه هي الكتابة”.