جميع الحقوق محفوظة لقوثاما 2025

بين فهم الجسد وتحرير الروح
24 شباط
النفس والعاطفة

بين فهم الجسد وتحرير الروح

24 شباط

|

النفس والعاطفة
بدعم من

أحيانًا كثيرة أستيقظ وأنا أحاول أن أفهم نفسي والعالم من حولي. أسئلة لا تنتهي تدور في رأسي، بعضها يجد إجابات، وبعضها يبقى معلَّقًا كفراغ لا يمتلئ أبدًا. لكن مع الوقت أدركت أن مجرد الفعل نفسه يخفف من الألم. حين تبدأ في فهم شيء كان غائبًا عنك، يصبح كل ما بدا صعبًا أكثر سهولة. يمنحك هذا الفهم مساحة أكبر للتنفس والتعامل مع الأمور.

عندما يقول الجسد “لا”

في رحلة البحث عن المعنى، صادفتُ كتابًا يثير التأمل حقًا، عنوانه “عندما يقول الجسد: لا” للطبيب الكندي جابور ماتيه. يقول د. بيتر ليفن إن هذا الكتاب قد يكون سببًا في إنقاذ حياة إنسان. والأمر لا يتعلق فقط بالأمراض المزمنة وأسبابها الظاهرة، بل هناك طبقات أعمق، جذور نفسية واجتماعية تسبق ظهور المرض بزمن.

الكتاب لا يقدم مجرد نظريات طبية جافة، بل يمنحك نافذة حقيقية للنظر إلى ذاتك. أحيانًا نتساءل عن أنماط حياتنا اليومية وكيف تؤثر في أجسادنا من حيث لا ندري. هناك حوار صامت بين النفس والجسد، وغالبًا ما نغفل عن إشاراته.

العقل والجسد ارتباط وثيق :

الكتاب فعلًا يربط بين العقل والجسد بطريقة تذكرنا بفلسفة سقراط القديمة، تلك التي تقول: “لا يمكن فصل العقل عن الجسد.”

يسلّط جابور ماتيه الضوء على أشياء نعيشها كل يوم، مثل القلق والتوتر اللذان أصبحا رفيقين للكثير منا، وحتى العلاقات السامة التي صارت جزءًا من واقع البعض. والكمال؟ ذاك الشبح الذي يطاردنا في كل مكان.

أحيانًا نعتقد أن المرض مجرد أمر جسدي بحت، لكن الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا. حياتنا المليئة بالضغوط والتوترات المستمرة قد تكون السبب الخفي وراء كثير من الأمراض العضوية.

هذا الكتاب يجعلك تتوقف لتفكر: كم من الأمراض التي نعانيها هي في الحقيقة رسائل من أجسادنا؟ فالجسد يقول الكثير. ربما حان الوقت لنصغي أكثر لما يقوله جسدنا.

المشاعر المكبوتة وصوت الجسد :

من زاوية أخرى، أحيانًا تكون آلام الجسد مجرد صرخات خفية من أعماقنا؛ أشياء كثيرة نكتمها في الداخل ولا نعطيها صوتًا. وكما قال فرويد: “المشاعر المكبوتة لا تموت، بل تظهر لاحقًا بطرق قد تكون بشعة.”

عندما نمنح أنفسنا لحظة للبوح، سواء بالكلام أو بالكتابة، نشعر وكأن ثِقلاً كبيرًا يزول عن أكتافنا. كأن الجسد يفرح أخيرًا لأنه تخلّص من أعباء كان يحملها في صمت. حتى لو كان مجرد حديث مع صديق، أو كتابة خواطر في دفتر، فهذا قد يكون بداية شفاء.

في النهاية، أجسادنا ليست مجرد أوعية، بل هي مرايا تعكس ما نخفيه في دواخلنا. وعندما نتعلم أن نطلق العنان لمشاعرنا، نمنح أنفسنا فرصة حقيقية للراحة والسلام.

فيلم heal 

بينما كنتُ أغلق الكتاب، لفتت انتباهي توصية لفيلم وثائقي اسمه “التشافي”. الفكرة الأساسية للفيلم تشبه ما قرأتُه؛ إذ يتحدث عن قدرة أجسادنا على علاج نفسها. المشاعر التي نعيشها منذ الصغر تترك أثرًا كبيرًا، وأحيانًا لا ننتبه لهذا التأثير. يوضح الفيلم كيف تتراكم المشاعر السلبية، وكيف يمكن أن تتحول مع الوقت إلى آلام جسدية.

شاهدتُ قصص أناس عانوا من أمراض مختلفة، لكل شخص منهم رحلة علاج خاصة. بعضهم تغلّب على الأمراض المزمنة، وآخرون تعافوا من إصابات اعتقدوا أنها لن تزول.

أكد الأطباء في الفيلم على نقطة مهمة: التوتر المستمر يؤثر على الصحة بشكل كبير. فهو ليس مجرد شعور عابر، بل يمكن أن يصبح جذرًا لكثير من المشاكل الصحية. وقد قسّم الأطباء التوتر إلى أنواع مختلفة، لكل نوع منها تأثيره الخاص: بعضه يظهر في شكل صداع مستمر، وبعضه الآخر يؤثر في الهضم أو النوم.

التوازن النفسي : 

وجدتُ أن التوازن النفسي يبدأ بالعادات الصغيرة التي تضيف طاقة جيدة إلى حياتنا. النوم المبكر، الاستيقاظ على أشعة الشمس، الكتابة والقراءة، ممارسة الرياضة، والتأمل، كلها كانت خطوات أعادت إليَّ إحساسي بالتوازن. قد تبدو تفاصيل بسيطة، لكنها في الحقيقة أساس بناء حياة صحية ومتصالحة مع ذاتها.

إن القوة الكامنة داخل كلٍّ منا تمثل الدافع الأساسي نحو التعافي. فمسيرة الشفاء لا تقتصر على الجانب الجسدي فحسب، بل تتعداه إلى رحلة روحية عميقة لفهم الذات واستعادة إحساسنا بجمال الوجود. وحين نتعلم الإنصات بحذر لأجسادنا وأرواحنا في آن واحد، نقترب تدريجيًا من حالة التوازن التي تمنحنا الطمأنينة الداخلية والقدرة على مواصلة المسير.



0
0
اشتراك
تنبيه
guest

0 تعليق
الأقدم
الأحدث
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات مُقترحة

رجل ضد نحلة
27 آب
النفس والعاطفة
3 دقائق
الركض للتغلب على الألم
14 أيار
النفس والعاطفة
5 دقائق
من نكون لولا أن ينخر الندم حماستنا
3 كانون الثاني
النفس والعاطفة
4 دقائق

عازف الموسيقى: %s

اشترك في نشرتنا البريدية

نشرة تصدر من قوثاما لتعرف عنا أكثر، عما نخطط له، وعما يدور في وجداننا.

كل أربعاء عند الساعة ٨:٠٠ مساءً