أتذكر شغفي بمشاهدة كل محتوى يُنشر على اليوتيوب صُنع بأيدٍ سعودية، ليس لانحيازي لهم المدفوع بوطنيتي، ولا لأنها أعمال تشبه نبرتي وتحاكي واقعي وما أراه في مجتمعي فحسب، ولكن لأنهم لامسوا جزءًا مني كان يؤمن أن كل عمل مدفوع بحب حقيقي سيصل، حتى مع غياب الدعم وشح المهارة.
بنى الشباب السعودي خبرة سينمائية في فترة من الزمن لم تكن لتلك الخبرة جدوى فعلية، فغياب الصناعة السينمائية ودور السينما كان دليلًا واضحًا على أن من انخرط في تلك الصناعة لا يبحث من خلالها عن مادة أو سمعة، بل كان انخراطهم نابعًا من حب وعشق حقيقيين لتلك الصناعة. وضعوا خلال تلك السنين جلّ خبراتهم، واستثمروا ما امتلكوه من موارد عبر شركات ناشئة احتضنتها منصة يوتيوب.
وما إن أصبح للصناعة السينمائية دور مهم في الثقافة السعودية اقتصاديًا ومجتمعيًا، حتى أثمرت جهود أولئك الطموحين عن أعمال سينمائية عديدة. منها ما شق طريقه نحو العالمية، وآخر تربع على شباك التذاكر محليًا لأشهر، وما بين هذا وذاك توارت عن أعين الجمهور العديد من المحاولات المضنية، والإخفاقات المحبطة، والعقبات المعطلة، التي ما زادتهم إلا تمسكًا بالصناعة، فهم جيل صنع هويته السينمائية من اللاشيء.
واليوم، وبعد أن ازدهرت السينما السعودية، وأصبح لصناعة الأفلام ثقل واضح، يجد العديد من الناس أن صنّاع الأفلام أمام تهديد حقيقي لما بدأوه بسبب ثورة الذكاء الاصطناعي وتطوراته السريعة، وما زاد الجدل هو فيلم قصير صنعته إحدى الشركات المختصة في صناعة المحتوى بالذكاء الاصطناعي، واحتفت بأول شخصية تدعى “مزنة”.
ما شاهدته في فلم “مزنة” أثار العديد من التساؤلات في ذهني، كان أهمها وأولها: كيف لأي شخص عاقل أن يجد في هذا الإنتاج بديلًا عن الصناعة السينمائية الإنسانية؟ إذ بدت الشخصيات مبتذلة، والسيناريو جافًا، والمشاعر مستعارة، والانفعالات آلية مستنسخة. كل ما شاهدته كان يصرخ بكل شيء إلا الإبداع.
لا شك أن الذكاء الاصطناعي سيخلق بعدًا جديدًا في الصناعة السينمائية، إلا أن أدواته لن تتعدى كونها شريك إبداعي ميسر ومعين لصنّاع الأفلام لا مستبدلًا لهم، فما يميز البيئات الفنية هو أنها مجتمعات إنسانية بامتياز، والعاملون فيها هم أكثر الناس إدراكًا لهشاشة الشعور وتعقيداته، وأقدرهم على تحويله إلى حكايات تُرى وتُحس، لا مجرد أوامر تُولد.
لن تخلق بيئة إبداعية عندما تختزل الإبداع في عدة أوامر جافة تُطبع على لوحة المفاتيح، وتحوّل البيئة الحيوية المليئة بالتواصل الإنساني إلى بيئة مكتبية حزينة تتمثل في مجموعة أشخاص مصطفين بجانب بعضهم برتابة العمل المكتبي القاتل، متصلبين أمام أجهزة تسرقهم الحس الإبداعي والإنساني. وهذا ما يجعل محاولة استبدال الإنسان في الفن فكرة ساذجة، لأن الفن يبدأ من تجربة إنسانية قبل أن يكون للأداة دور في إنتاجه.
ما يميز قصة السينما السعودية هو أنها بدأت على يد أشخاص كبروا على أن الفن ضياع، والتمثيل سذاجة، وكتابة السيناريوهات عار، وبالرغم من هذا كله استطاعوا شق طريقهم فيها بكل جدارة، أسسوا بنيتها، وصاغوا صوتها، ويسروا السبيل لجيل من بعدهم شغفوا حبًا بهذه الصناعة.
لن تستبدل “مزنة ” الطرح الساخر الذي لامسنا في خمبلة، ولا الأحداث الجريئة التي أثارت حنقنا في “ناقة”، ولا السرد الواقعي الذي عكسه “شمس المعارف”؛ فهذه الأفلام كانت نتاج عشق حقيقي للفن، صُنعت بأيدٍ كابدت الواقع، وعاشت تفاصيله.


