يقول علماء الأعصاب إننا نعيش في أكثر الحقب الزمنية اعتداءً على انتباه الإنسان. فالأشياء من حولنا لم تعد تكتفي بوجودها المجرّد كما كان الحال سابقًا؛ بل باتت تتزيّن كذبًا، وتصرخ بصوتٍ عالٍ، وتمدّ أياديها إلينا باستمرار، في محاولةٍ محمومة للفت انتباهنا، وسرقته، وليّ أعناقنا نحوها بغرض الترويج لأفكارها، وبيع منتجاتها، والتسابق في حصد إعجابنا.
ومن خلال صناعة “الترندات”، وتكثيف الإعلانات، ونشر المنشورات المجتزأة، ومقاطع “الريلز” المُنتَجة بعناية، يتعرّض الإنسان يوميًا لسيلٍ هائل من الواردات الحسية، بكثافة لم يشهد لها التاريخ مثيلًا. دقائق وساعات من المرئيات والمسموعات تتدفّق إلى دوائر وعينا كل يوم، حاملةً معها حيواتٍ مختلفة من كل مكان، ومواضيع متناثرة في الدقيقة الواحدة، وقصصًا شديدة الخصوصية لأناسٍ غرباء، لا نعرفهم في الغالب، ولا يعرفوننا.
ولا بدّ أن لهذا الفيضان المتواصل من المثيرات ضريبةً تُدفع من صحتنا النفسية، وصفائنا العقلي، وسلامتنا الروحية، بل ومن مركزية قلوبنا كمسلمين. أو كما تقول العبارة التحذيرية في الفيلم الوثائقي (المعضلة الاجتماعية): “حين يكون المنتج مجانيًا، تذكّر أن الثمن هو أنت”.
وقد جاء في العلوم التزكوية قديمًا، وفي التعاليم التربوية، أن الإنسان نتاج ما يسمعه، وما يراه، وما يقرؤه؛ فإذا استغرق في المشتّتات، كانت النتيجة عقلًا ملوّثًا، وروحًا مشتّتة، لا تقوى لاحقًا على أي تدينٍ عميق، ولا على طمأنينة، ولا حتى على تحصيلٍ معرفي راسخ.
وهو ما يخلّف تبعاتٍ خطيرة على مهاراتنا الإدراكية، وتوازننا العصبي، وتجاربنا الروحية، واستمتاعنا باللحظات.
تشريح المُدخلات
تخيّل معي أنك تدخل أحد الأسواق الشعبية بغرض شراء مخدّة للنوم. في الممر الطويل لهذا السوق، يقف على يسارك، وعلى مدّ البصر، باعةٌ متجولون، وعلى يمينك آخرون كذلك. تخيّل هؤلاء الباعة وهم يصرخون بجوارك بأصواتٍ عالية، يلوّحون بعنف بمنتجاتهم، وينادون بأقصى ما يستطيعون، محاولين إيقافك مثل بقية المارّة.
تخيّل هذا الكمّ من الإزعاج، والتشتيت، والتشويش، وهذا الاعتداء الصارخ على حواسك في تلك اللحظة تحديدًا، بفعل الأصوات المتداخلة والمثيرات المتزاحمة. هذا تمامًا — وبلا مبالغة — ما يفعله المشي في تصفّح المقاطع القصيرة والمنشورات عبر المنصات. تترامى جميع حواسك لكثير من المواضع المتداخلة في فاصلٍ زمني قصير، تخرج فيه من لقطة وموضوع، وتدخل في آخر.
حياةٌ آليةٌ لا صحو فيها، وخوفٌ من فوات الجديد، ينزع بنا إلى الإدمان، ويصبح معه قطع هذا التواصل الزائف أحد أشدّ مخاوف الإنسان.
ولما كان الأمر هكذا، فإن صنّاع المحتوى المرئي والمسموع يستخدمون حِيَلًا ترويجية صارخة لسرقة انتباهنا يوميًا، بل ويبيعون هذه الحيل نفسها — التي لم تعد تخفى على أحد — ضمن دوراتهم التدريبية. من أشهرها ما يُعرف بـ”حيلة الخطّاف” (Hook)؛ وهي ببساطة مقدّمات الفيديوهات التي تُصمَّم لتكون جدلية، صاخبة، ومشحونة بالفضول، عبر حركات بهلوانية وأسئلة تستثير فضولك وخوفك من تفويت ما يتضمّنه الفيديو، بهدف تثبيتك لمتابعة المقطع حتى آخر ثانية.
ولعلّ هذه الحيلة تحديدًا تفسّر كيف ندخل ليلًا لمشاهدة مقطع واحد فقط، فنجد أنفسنا بعد حين وقد شاهدنا العشرات والعشرات.
فقدان اللياقة الذهنية وترهّل الانتباه
جاء في كتب الفلاسفة القدماء أن عقل الإنسان يتشكّل بحسب ما يُغذّيه؛ فإذا كانت المُدخلات التي تدخل حواسه، من موسيقى دائمة، وأفلام، ومسلسلات، وغيرها من المُدخلات الترفيهية، لا تحتوي على فوائد حقيقية، أو تخلو من معارف جديدة تشجّعه على استشعار المعاني، أو الوقوف المتأمّل للنظر في الكون أو في نفسه، فإن عقله سيكون عاجزًا بعد مدة عن إنتاج المُخرجات والأفكار الجديدة، واستحضار الخواطر، وتداولها مع الآخرين، وتكوين ثقافات جديدة؛ أي قد يكون عالمًا بهذا وذاك من الأخبار غير المفيدة، وما فعله فلان وما قاله بالأمس علان، لكنه يظل جاهلًا بحقيقة الأشياء من حوله، وبنفسه التي بين جنبيه.
فالعقل الذي يتعرّض لنوع واحد من هذه المُثيرات يُصيبه الهزال والضمور، وينتهي به الحال إلى الركود والتبلّد، أو “تعفّن الدماغ”، كما تم اختيار هذا التوصيف تحديدًا ليكون كلمة العام في 2024 في قاموس أكسفورد.
وأخطر ما تفعله هذه المقاطع الصغيرة، وهذه المعلومات الهادرة والقصيرة التي نتناولها يوميًا واحدة تلو الأخرى في فاصل زمني ضيّق، أنها تضاعف تشتّتنا وتُقلّص قدرتنا الدماغية، في المجمل، على التعلّم والانتباه، وبالتالي نفقد مع الوقت أهم مكوّن للتعلّم والتطوّر والتميّز وسط الآخرين، وهو الصبر وطول الانتباه. إذ يزعم علماء الأعصاب أن المقاطع الصغيرة تُفسد عضلة انتباهنا وتُقلّص قوّتها، والدليل ميلُنا، أكثر من أي وقت مضى، إلى استهلاك الفيديوهات القصيرة، والمحاضرات المسرّعة، والمعلومات المسطّحة، وشيوع ثقافة “البوب ساينس”، وانعدام صبرنا على أي محتوى مطوّل، من حلقات دراسية طويلة، أو محاضرات ثقيلة، أو أي مشروع يحتاج إلى انتباهٍ مكثّف.
امتلاء الحواس، بينما فراغ الروح
جاء عند الإمام ابن القيم، في إحدى مواعظه، أن كثرة المباحات من النوم، والأكل، والطعام، والمشوِّشات بأنواعها، على كثافتها، تُفسد قلب الإنسان وتُقسيه، فتجعله غير قادر على تلقّي الوحي الرباني، والاستماع إلى القرآن، والتأثّر بالموعظة من حوله. ويصبح قلبه، في تعريف الإمام ابن القيم، كإسفنجةٍ متّسخةٍ مُخدَّرةٍ بالسواد، تستثقل ذكر الله، ولا تقدر على استقبال السكون والطمأنينة، ولا على هضم الأغذية الروحانية.
فما بالكم إذا كان هذا الكم من المحتوى الضوضائي غير النافع حاضرًا في كل حين، وقد جاء في الحديث النبوي تحذيرٌ وإشارة: (لا تُكثِروا الكلام بغير ذكر الله، فإن القلوب القاسية بعيدة عن ذكر الله). يحذّرنا الرسول ﷺ من أن امتلاء حواس الإنسان بالمشوِّشات الدنيوية، من حيوات الآخرين والمواضيع التافهة، يسرق قلبه، ويجعله مملوءًا بالدسامة، والأخبار غير المهمّة، والمقارنات بينه وبين الآخرين، وأدناها النظر إلى أرزاق الناس.
فيصبح قلبه مليئًا بالمخاوف، ولا يبقى فيه موضع للإيمان، ولا للهدوء والسكينة. وتستهلك هذه المُدخلات مشاعره، وتسرق من وقته وقدرته على التأمّل، ونعمة الاختلاء بنفسه، ومعرفة مواطن ضعفه، وتنمية نقاط قوّته، فيستمع إلى أحاديث نفسه من دون فعل أي شيء.
تَسطيح المعرفة في موجة المقاطع القصيرة
تحمل مقاطع صنّاع المحتوى، في تناولهم لمختلف المواضيع والقضايا، حالةً من توَهُّم المعرفة والثقافة لدى المتلقي والمشاهد؛ فيستلهم – دون أن يشعر- مواقفه وأفكاره وآراءه في الحياة من دون تجربة حقيقية أو مطالعة مجتهدة، معتمدًا على مقاطع قصيرة، ونصائح مجانية من غير المتخصصين، وملخّصات كتب لا تتعدّى ثلاث دقائق.
بينما المعرفة الحقيقية، عزيزة كالحكمة، تحتاج إلى انتباهٍ مطوّل، واحتكاكٍ بالواقع، والعودة إلى القراءة في أمهات الكتب، والرجوع إلى المراجع، وفتح علامات التبويب، وتحرّي المصادر، والكثير من التنقيب والتقليب. وإلا، فستبقى المعرفة المزعومة لدى أصحابها هشّة ومسطّحة، تسقط عند الاختبار الحقيقي، ومماثلة لثقافة القطيع، التي تحمل بدورها الثقافة نفسها: المنتشرة، الجاهزة، والمعلّبة.
كيف نفرغ حواسنا من هذا التلوث الالكتروني؟
الانسحاب الهادئ من صخب الشاشات
إنّ الخلاص من هذه الموجات الرقمية التي تطوّقنا من كلّ اتجاه يبدأ بالتخفّف منها أولًا، وبمراقبة الساعات وحساب الدقائق التي نهدرها، وذلك عبر تطبيقات القياس والتتبّع، حتى نقف على حقيقة إدماننا ونُبصر حجم استهلاكنا الفعلي، ومدى تورّطنا فيه. ومن هذا الوعي تبدأ القدرة على التحكّم، أو على الأقل تنقية ما يصل إلى أعيننا وعقولنا.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أنّ الامتناع عن مشاهدة “الريلز”، أو التخفّف من هذا النوع من المحتوى، لمدة أسبوعين فحسب، كفيلٌ بأن يُعيد للانتباه حدّته، ويستنهض النشاط الذهني.
المشي كفعل مقاومة للضجيج
اقتطاع دقائق يوميًا للمشي، على وجه الخصوص، يفتح للدماغ سُبُل الأفكار، بإعطائه فسحةً يتخفّف فيها من أثقاله وشحناته السلبية، فتخمد حدّة الاضطرابات لديه، وينخفض وطء هرمون الكورتيزول المسؤول عن التوتر. وليس المشي حركةً للجسد فحسب، بل تفعيلٌ للقلب والعقل وحواسّ المشاهدة، ولكن بانتعاشة جديدة.
والأبحاث العلمية في ذلك كثيرة، ويؤكّدها قبلها قول الله عز وجل:
﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها﴾.
يعيد المشي الإنسان إلى واقعه، ويُحسّن حواسه بالموجودات من حوله، ويجعله عاريًا من التشويش، فيُبصر نفسه وما يراه بصفاءٍ حقيقي، فيكون أكثر اتصالًا بالواقع.
الأذكار اليومية والأوراد كمرسى للهدوء الداخلي
يقول يحيى محمود:
تخيّل إنسانًا مرّ عليه اليوم، والأسبوع، والشهر، من غير أن يقرأ كلام الله، أو يصلّي لله، أو يذكره، غارقًا في الدنيا والملهيات والمخاوف، من أوّل يومه إلى آخره، منغمسةً حواسه في الناس، والأخبار، والترندات. فمن أين تأتيه الطمأنينة؟ وكيف تستقرّ المعاني في نفسه؟
قال تعالى:﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتّبع هواه وكان أمره فُرُطًا﴾
ممارسة التأمّل، والملل، والتحديق في الصناديق الفارغة
للتخلّص من هذه المخدّرات الرقمية، كما يسمّيها الباحثون، يحتاج الإنسان إلى أن يختبر الملل عن قصد، وأن يمشي ضد تيّار النفس الملولة، وأن يتجنّب استهلاك المقاطع السريعة، إمّا بالانقطاع عنها أو بالتدرّج. وأن يتعوّد حلّ الألغاز الطويلة، والتحديق في الفراغ الواسع دون القيام بأي شيء، ودون الهروب إلى المقاطع السريعة. كما ينبغي أن يخصّص أوقاتًا للجلوس مع نفسه، والاستماع إلى حديث خواطره.
وقد قالت العرب قديمًا: “العقل آلة، وآلته العناية والاهتمام”، ولنفس بني آدم عليه حق، وحقّها أن لا يحملها ما لا تطيق، وما لا جدوى من الانخراط فيه ومتابعته.
وفي الحديث النبوي:
﴿لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة، حتى يُسأل عن عمره، فيمَ أفناه؟ وعن علمه، فيمَ عمل فيه؟﴾
ولا يكون ذلك إلا بالعناية بالنفس، والاستعانة بالدعاء، وإجهاد عضلة العقل بالمعارف الدسمة، والنظر المطوّل في العلوم، وحماية باقي الحواس من كل ما يؤذيها، ويمنعها من تذوّق باقي جمال الوجود.
حاول البطء في وتيرة السرعات
لم تُخلَق عقولنا لتكون مهيّأة على مقاس هذا العصر المتسارع، بل ننزع بطبيعتنا الإنسانية إلى السكون، والبطء، والتمهّل، والتأمّل، وفي ذلك تنظيمٌ نحمي به جهازنا العصبي من الاستنزاف.
يبدأ هذا التنظيم بأشياء بسيطة؛ مثل تقليل زمن الشاشات، وتخفيف التعرّض للمثيرات، وتناول الطعام على مهل، وتجنّب تعدّد المهام، وإبطاء الحركة، والمشي دون سماعات، وتنظيم التنفّس، وتثبيت مواعيد النوم، والصلاة بسكينة، وتخصيص لحظات صمت يومية.
بهذه الطرق، نخفّف فرط التحفيز، ونمنح الدماغ فرصة للانتقال من التأهّب الدائم إلى الاتّزان، فتستعيد النفس شعورها بالأمان والسيطرة في عالمٍ مُنهك.


