تبدو الأحكام المسبقة عن أي شي وكل شيء حالة نعاني منها جميعًا ولو أظهرنا غير ذلك.
لماذا لدينا الرغبة في أن نحكم بشكل سريع؟ هل هنالك نمط ذهني كوّن لدنيا حفلة من الأحكام المسبقة اليومية ؟ وقبل كل هذا مالذي يجعلنا نخاف أن يحكم علينا الآخر؟
هذه مجموعة من التساؤلات التي تدور في ذهني مُنذ فترة وجعلتني أبحث في نفسي قبل الآخرين عن جواب حقيقي: جواب لا يجعلني شخص خالي من الأحكام المسبقة ولكن يجعلني أعي بمصدرها وتشكلاتها الذهنية في عقلي، ولعل بداية المقال ستكون من آخر هذه التساؤلات المطروحة.
لماذا نخاف أن يحكم علينا الآخر؟
قبل أن نُبحر في البحث عن جواب لهذا السؤال، يجب أن نوضح مفهوم: “الآخر”.
يبدو أن الآخر هي حالة نسبية تتسع وتضيق بناءً على حالة الوعي الاجتماعية والفردية، فعلى سبيل المثال : في طفولتي كُنت أعيش في قرية محدودة العدد والتوجهات. لا توجد مساحة للاختلاف خارج الوعي الجمعي للقرية، مايجب عليك فعله واضح وما لا يجب عليك فعله أوضح!
لم يكن مفهوم الإنتماء حقيقة نعي بها لأننا لانشعر بالغربة مطلقًا، وهذه حالة طبيعة فكيف تعي بالنور دون الظلام، في تلك الفترة كان الوجود كاملاً في ذهني لا يتعدى حدود القرية الجغرافية، وما خلف ذلك الجبل مجهول أو في رواية أخرى (الآخر).
الآخر عادةً غريب، والغريب نتوجس ونخاف منه لأننا لانعرفه ولا يشبهنا، ومن لا يشبهنا فهو عدونا إلى أن يثبت عكس ذلك!
بعد مرور سنوات قليلة انتقلنا للمدينة، وفي المدينة تغيرت المفاهيم وتكسرت الحواجز، ظهرت الغربة وصديقها القلق وتغيرت المفاهيم وتعدلت البوصلة لمفهوم الآخر!
من هو الآخر اليوم في مدينة مليونية متعددة الأعراق والمفاهيم؟
تغيّر التعريف للآخر دون وعي مني، وأصبح كالتالي:
الآخر
هو أي شخص خارج أسوار فناء المنزل ماعدا من يحمل اسم قبيلتي في نهاية اسمه الرباعي.
قد يبدو التعريف منطقي للبعض، ولكنه محض جنون أن تحمل هذا المفهوم في مدينة متعددة الأعراق والجنسيات والقبائل، وجميع من سبق هم من تشاركهم عيش غالبية يومك الدراسي كطفل بسيط، في تلك المرحلة تكوّن لدي مفهوم الأحكام المسبقة وبدأت في تدشينه رسميًا؛ من خلال إطلاق سيل من الأحكام على كل من يشمله تعريفي للآخر! فالآخر عدو والعدو دائماً خطر، والخطر يجعلك في حالة خوف والخوف غذاء الأحكام المسبقة. أتذكر جيدًا أن إطلاقي للأحكام حينها لم يكن لغاية محددة، ولكن لمجرد الخوف من الآخر، ورغبةً في الإنتصار عليه من خلال أحكامي التي من شأنها التقليل منه وجعله أقل مني وانتصر حينها.
المضاد الحيوي للأحكام المسبقة
مع مرور الوقت وتنقلي من مدينة لأخرى وتزايد الفئة المحكوم عليهم في ذهني بالخسارة والدنوء من خلال باقة الأحكام المسبقة المغلفة بإحكام في عقلي البديع، وصلت لحالة معينة حالة غير منطقية جعلتني أعيد النظر مرة أخرى في هذا المفهوم وأعيد تشكيلة. ظهر لي أن غالبية من أحببتهم كانوا من فئة الآخر، وأني أنا آخر في تعريف أحدهم.
ظهر لي أن الحرب التي كنت أغذيها طوال فترة طفولتي ومراهقتي؛ أشبه بحرب عمياء لا منتصر فيها غير الخوف الذي نشأ بشكل تراكمي في ظلمات اللاواعي.
من الممكن أن تجد تعريف الآخر مختلف لديك، ولكن تأكد أنه دائمًا خاطئ.
الآخر هو فرصة عظيمة لنموك الشخصي، ومتى ماكنت آخرًا في تعريف أحدهم فأنت الفرصة العظيمة في حياته للنمو.
بدأ توسع مفهوم الآخر في عقلي ليشمل المنزل وأسواره، الحي وحاراته، المدينة وأزقتها، الدولة وضواحيها، القارة ومحيطاتها، الكوكب ومجاله الجوي، المجرة ومجموعتها الشمسية؛ أنا والنجوم أصدقاء فما بالك بمن لا يشبه لهجتي ولباسي. حينها فقط علمت أن اختلافي مُهم وحاجة أساسية لنمو من يظن أنني آخر في تعريفه.
القبول والتسامح
من الممكن أن تنظر لمفهوم القبول بشكل مبتذل، ولكنه أعمق مما تتخيل.
صورة لعالم علم النفس السويسري : كارل يونغ.
عندما نقبل اختلافنا، فنحن أمام مكاسب عدة، أهمها:
جمع ودمج الانقسامات الداخلية كما وصف هذه العملية كارل يونغ في دمج الظلال عندما يندمج العقل اللاواعي بالواعي.
بروزُ فردانيتك التي تُمثل البصمة الخاصة بك وبها تتميز وتبدع.
تُصبح في علاقاتك حالة مساعدة للنمو كونك زاوية مختلفة حقيقة تبرز جوانب جديدة في حياة من يواجهك.
وسّع مفهوم الآخر ، تتسع معه .